لأول مرة منذ تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) قبل 122 عاماً، تتحرك أبرز الاتحادات القارية لبحث إمكانية طرح تصويت لحجب الثقة عن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو. وتأتي هذه الخطوة غير المسبوقة في ظل توتر متصاعد إثر مقترح أثار حفيظة هذه الاتحادات، ويتعلق ببيع حصة من كأس العالم لمستثمرين خارجيين، وهو المقترح الذي تم إلغاؤه لاحقاً.
وكان من شأن هذا المقترح الاستثماري أن يمنح الاتحادات الوطنية تمويلاً استثنائياً يصل إلى 20 مليون دولار لتطوير برامج رياضية متعددة، لكنه قوبل بمعارضة شديدة من ثلاثة اتحادات قارية.
ثلاثة اتحادات تقود المسعى
أفادت مصادر مطلعة وكالة رويترز بأن الاتحاد الأوروبي (اليويفا)، والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (الكونكاكاف)، بدأوا دراسة خيار حجب الثقة عن إنفانتينو. ولم تسجل رويترز أي سابقة في تاريخ الفيفا الممتد 122 عاماً تم فيها إجراء تصويت بحجب الثقة عن رئيس أثناء فترة ولايته من قبل الجمعية العمومية.
خياران: رحيل هادئ أم صعب
وصرح مصدر مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية المناقشات، لرويترز قائلاً: “لا يوجد مخرج آخر. إما أن يرحل بطريقة هادئة ويقرر عدم الترشح في مارس/آذار، أو يرحل بالطريقة الصعبة”، في إشارة واضحة إلى إمكانية التصويت بحجب الثقة.
وبموجب النظام الأساسي للفيفا، يحق لمجلس الاتحاد الدولي الدعوة إلى جمعية عمومية استثنائية في أي وقت، ويصبح ملزماً بذلك إذا تقدم خمس الاتحادات الأعضاء على الأقل (211 اتحاداً) بطلب خطي يحدد البنود المطلوب إدراجها. ويجب عقد المؤتمر الاستثنائي في غضون ثلاثة أشهر، حيث يكون لكل اتحاد عضو حاضر صوت واحد. لكن النظام الأساسي لا يتضمن نصاً محدداً ينظم آلية التصويت بحجب الثقة عن الرئيس.
عند التواصل مع الفيفا للتعليق، أحال الاتحاد رويترز إلى بيان سابق أكد فيه أنه “لن يدعم أو يسهل أو يتسامح مع أي عملية تتعلق بانتخاب رئيس الفيفا تتعارض مع لوائح الاتحاد والإجراءات الديمقراطية وإطار الحوكمة المعتمد”.
مواقف متحفظة ودعم قائم
امتنع اليويفا عن التعليق المباشر على ما إذا كان خيار حجب الثقة مطروحاً، مكتفياً بالإشارة إلى موقفه السابق الذي دعا لمراجعة “شاملة وجذرية” لقيادة الفيفا ونظام الحوكمة، مؤكداً أن “لا ينبغي استبعاد أي خيار”. أما الكونكاكاف فرفض التعليق المباشر، محيلاً إلى البيان المشترك السابق مع اليويفا والاتحاد الآسيوي، والذي اتهم قيادة الفيفا بارتكاب “خرق جوهري للثقة”. ولم يرد الاتحاد الآسيوي فوراً على طلب التعليق.
يذكر أن إنفانتينو كان قد أكد عزمه الترشح لولاية جديدة خلال اجتماع الجمعية العمومية للفيفا المقرر في مارس/آذار 2027، ولا يزال يحظى بدعم ملموس من عدد من الاتحادات الوطنية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف).
كما قدم الفيفا اعتذاراً للاتحادات الأعضاء عن الأخطاء التي شابت إدارة المقترح الاستثماري، بينما أعلنت ستة اتحادات عربية لكرة القدم، من بينها قطر والمغرب الشريك في استضافة كأس العالم 2030، دعمها العلني لإنفانتينو الأسبوع الماضي. وجددت قيادة الفيفا أيضاً تأكيد دعمها الكامل له عقب اجتماع أزمة عُقد في المغرب في وقت سابق من شهر أغسطس/آب الجاري.
وكشف مصدر بارز مطلع على الملف لرويترز أن الاتحادات القارية الثلاثة تميل إلى خيار حجب الثقة، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي فشل أي تحرك من هذا النوع إلى تعزيز موقف إنفانتينو وإظهار حجم التأييد الانتخابي الذي لا يزال يتمتع به، مما يقوي موقعه قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
ضغوط متزايدة وانتقادات لاذعة
يتعرض إنفانتينو لضغوط متزايدة منذ انهيار مشروعه الرامي إلى بيع حصة أقلية في كيان تجاري جديد تابع للفيفا لمستثمرين من القطاع الخاص، كان من المقرر أن يدير الحقوق التجارية لكأس العالم. ويرجح الفيفا أن تتجاوز إيراداته خلال دورة 2023-2026 الـ15 مليار دولار، يأتي الجزء الأكبر منها خلال عام 2026 الذي شهد إقامة كأس العالم.
وكانت ثلاثة اتحادات قارية من أصل ستة منضوية تحت مظلة الفيفا، وهي اليويفا والاتحاد الآسيوي والكونكاكاف، قد عارضت المقترح المذكور، ووجهت منذ ذلك الحين انتقادات لاذعة لإنفانتينو بسبب طريقة تعامله معه، متهمة إياه بالتقصير في مجالات الشفافية والتشاور والحوكمة.
وتفاقمت الأزمة هذا الأسبوع مع رحيل كيفن لامور، المدير التنفيذي للعمليات في الفيفا، والذي كان قد انتقد المقترح الاستثماري واعتبر أن الموظفين تعرضوا “للتضليل” بشأن ما وصفه بأنه مشروع شخص واحد. ولم يقدم الفيفا أسباباً رسمية لمغادرته. كما سحب نائب رئيس الفيفا شاندور تشاني دعمه لإنفانتينو هذا الأسبوع، واصفاً رحيل لامور بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير”.
إلى غاية الساعة، لم يعلن أي مرشح عزمه منافسة إنفانتينو قبل الموعد النهائي لتقديم الترشيحات في 18 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولا يزال رئيس الفيفا يحظى بدعم قطاع واسع من أعضاء الاتحاد الدولي. وكان رئيس الاتحاد الأفريقي باتريس موتسيبي قد أكد الأسبوع الماضي أن إنفانتينو لا يزال يتمتع بدعم القارة الأفريقية، وأن مصيره ينبغي أن يحسمه أعضاء الفيفا عبر الانتخابات.
وبموجب المقترح الاستثماري الذي تم التخلي عنه، كانت الاتحادات الوطنية ستحصل على تمويل استثنائي يصل إلى 20 مليون دولار لتطوير البنية التحتية وبرامج التدريب والمنتخبات الوطنية والمسابقات المحلية وكرة القدم النسائية. وقال فليتوود هايا، رئيس اتحاد مالاوي لكرة القدم، الأسبوع الماضي: “على الراغبين في منافسة إنفانتينو عند صناديق الاقتراع أن يعلنوا عن أنفسهم بصراحة. عليهم أن يوضحوا لنا ما الذي يعتزمون تقديمه. وبالنسبة إلى اتحاد مالاوي لكرة القدم، أحتاج إلى معرفة ما الذي سيعود على مالاوي من ذلك”.
رابطة الأندية الأوروبية تنضم إلى المعارضة
لا تقتصر الضغوط على الجهات التي تمتلك حق التصويت داخل الفيفا. فبحسب مصدر مطلع، تقف رابطة الأندية الأوروبية لكرة القدم، برئاسة ناصر الخليفي رئيس باريس سان جيرمان، والتي تمثل أكثر من 800 ناد، إلى جانب اليويفا والأطراف الأخرى الساعية إلى إحداث تغيير. وقد حذرت الرابطة الفيفا من أن أنديتها الأعضاء قد ترفض المشاركة في النسخ المقبلة من كأس العالم للأندية للرجال والسيدات ما لم تعالج المخاوف المتعلقة بالحوكمة وبطبيعة العلاقة بين الأندية والفيفا. ورغم أن الأندية لا تملك حق التصويت، إلا أنها تتمتع بنفوذ رياضي وتجاري كبيرين.
وذكر مايكل باين، المدير السابق للتسويق في اللجنة الأولمبية الدولية، أن فوز إنفانتينو في أي انتخابات مقبلة لن يكون كافياً لإنهاء الانقسامات الحالية، مضيفاً: “قد تتمكن من الفوز بأغلبية 51 بالمئة مستنداً إلى أصوات عدد كبير من الاتحادات الصغيرة، لكن إذا كانت القوى الكبرى في كرة القدم تقف ضدك، فكيف ستدير المنظمة؟”.
هذا، ولم يوجه أي من رعاة الفيفا انتقادات علنية إلى إنفانتينو على خلفية الأزمة. وقال باين: “الرعاة يبدون استغرابهم ويتساءلون: كيف تنجح في تنظيم كأس عالم ناجحة للغاية، ثم تلحق الضرر بنفسك بعد ذلك؟”. ويعتقد أحد كبار المطلعين على مناقشات التصويت بحجب الثقة أن الضرر الذي خلفته الأزمة أصبح غير قابل للإصلاح، معتبراً أن “لا يمكنك إعادة الكاتشب إلى الزجاجة”.






