عاجل
٢١ صفر ١٤٤٨ هـ| الخميس، 6 أغسطس 2026
الرياض +19°C

فلسفة الترفع عن السفهاء: دروس من الشافعي والأحنف بن قيس وعلم النفس

06/08/2026 23:02

في فلسفة أخلاقية تعكس صفات النبلاء، يطرح الإمام الشافعي رؤية تقوم على صيانة النفس من الانزلاق إلى مهاترات السفهاء. فالنفس الكريمة، كما يراها الشافعي، تمتلك القدرة على النزول إلى مستوى الخصم والانتقام منه، لكنها تختار الرفعة والترفع حفاظاً على قيمتها الذاتية وسلامها الداخلي. إنه يصور نفسه كفارس قادر على عبور المستنقع، لكنه يخشى على نقاء درعه ولأمته من الوحل، فحتى النجاح في اختراق البيئة العكرة لا يخلو من أذى قد يلحق بالمرء.

عود الطيب: تشبيه الشافعي للصبر على الإساءة

يذهب الشافعي إلى أبعد من ذلك، مشبهاً نفسه بعود الطيب الذي كلما اشتد عليه الإحراق زاد أريجه. فالإساءة، بحسب هذه الرؤية، تكشف معدن الإنسان الأصيل: السفيه يزداد سفاهة، والكريم يزداد حلماً. يقول الشافعي: “يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حلمًا كعودٍ زادَه الإحراقُ طيبًا”.

سيادة الروح والأرستقراطية الروحية

تُعرف هذه الفلسفة في التراث الفكري بـ”سيادة الروح”، وهي حالة يصل إليها الإنسان حين تصبح نفسه أسمى من أن تستفزها الخصومات إلى ما ينتقص من قدرها. وقد أطلق بعض الفلاسفة على هذا المقام اسم “الأرستقراطية الروحية”، حيث يكون حفظ رفعة النفس ووقارها غاية في حد ذاتها، فلا تُبتذل النفس في كل معترك، وتنأى بنفسها عن السفاسف.

حكمة الأحنف بن قيس في التعامل مع الخصوم

يذكر ابن عبد البر في كتابه “بهجة المجالس وأنس المجالس” أن الأحنف بن قيس، حليم العرب، كان يقول: “ما نازعني أحدٌ إلا أخذتُ في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفتُ له قدره، وإن كان دوني رفعتُ نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلتُ عليه”. فإذا كان الخصم أعلى منزلة، عرف له فضله فلم ينازعه مكانته. وإذا كان أدنى، رفع نفسه عن مجاراته صيانة لكرامته. وإذا كان مساوياً، آثر الحلم وحسن الأدب ولذة الخصومة على الغلبة.

التجاهل كسلاح نفسي: مفهوم عدم التعزيز

يؤكد علم النفس السلوكي أن التجاهل والترفع من أنجع الهجمات المضادة في مواجهة الخصوم؛ إذ يحققان أمرين: سمو النفس، وتوريث الخصم خيبة تتفاقم مع كل محاولة لا تجد صدى. ويتمثل ذلك في مفهوم “عدم التعزيز” (Non-reinforcement)، فالسلوك العدواني غالباً ما يهدف إلى استثارة الطرف الآخر، فإذا لم يجد استجابة خبا أثره، واغتاظ صاحبه من إخفاقه في تحقيق غايته.

لحظة ختام: تشكل الآية الكريمة من سورة الأعراف (الآية 199) دستوراً أخلاقياً جامعاً في القرآن الكريم: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”. وتتضمن ثلاث قواعد أساسية لمعاملة الناس: العفو والسماحة، الأمر بالمعروف، والإعراض عن السفهاء.