عاجل
٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الإثنين، 8 يونيو 2026
الرياض +17°C

ثرى البقصمي تستكشف الذاكرة والنجاة في روايتها «تفاحة في هودج»

تقدم الكاتبة والفنانة التشكيلية الكويتية ثريا البقصمي عملًا سرديًا جديدًا يحمل عنوان «تفاحة في هودج»، حيث تبني الحكاية على أساس الذاكرة، الفقد، والاقتلاع، مستعادةً قصص نساء واجهن قسوة الخوف والعبودية وتغير الأسماء، قبل أن تسعى للخلاص الإنساني في عالم يختبر قدرة الإنسان على البقاء.

الذاكرة والفقد كقاطرة السرد

من أولى صفحات الرواية تضع البقصمي القارئ أمام صورة رمزية مكثفة: تفاحة حملتها ريح الأناضول المشبعة برائحة البارود إلى واحة نخيل في البصرة، ثم دحرجها القدر لتستقر في جوف هودج، لتتحول التفاحة إلى علامة على البراءة الأولى وعلى حكاية صمتت طويلًا قبل أن تجد طريقها إلى البوح.

تركز الرواية على شخصيات نسائية تحمل ذاكرة مثقلة بالألم، وعلى رأسها سيتا التي تستعيد طفولتها في قرية صغيرة بأحضان الأناضول، حيث عاشت مع أختها التوأم ميرال في كنف أسرة تمتلك مزرعة وماشية. ينهار هذا العالم الآمن حين تُخطف الأختان، لتبدأ رحلة الفقد والانفصال، ويصبح غياب الأخت جرحًا لا يبارح الذاكرة.

تعدّد الأصوات النسائية وتحول الهوية

لا تقف البقصمي عند حكاية سيتا وحدها، بل توسع فضاء الرواية عبر حكايات أخرى، من بينها حكاية نسانيت ومريان، اللتين تفرض عليهما الحياة اسمًا جديدًا، وكذلك قصة سلطان الحبشي. من خلال هذه الشخصيات تلامس الرواية قسوة تبدل الأسماء ومحو الهوية الأولى عندما يصبح الاسم أداة قهر لا علامة على الذات.

كما تحضر مرجانة في خط سردي آخر: تنتقل من حضن أمها إلى بيت جديد بعد أن تُباع، لكنها تجد بعض الطمأنينة في علاقتها بفاطمة قبل أن تتغير أحوالها تدريجيًا وتنمو قدراتها، فيقرر سيدها نقلها للعمل في متجر الأقمشة. من خلال مرجانة ترصد الرواية تحولات المصير داخل فضاء اجتماعي غير متكافئ، حيث تتداخل القسوة مع فرص النجاة المحدودة.

الخلاص والرمزية في تفاصيل الرواية

تستعيد الرواية لحظات الخلاص عبر فصل «تفاحة الأمريكاني»، عندما تصل الشخصية إلى المستشفى الأمريكي المعروف محليًا باسم «الأمريكاني»، ليغدو المكان طوق نجاة يعيد إليها شيئًا من كرامتها وإنسانيتها، ويفتح أمامها بابًا للخروج من دائرة القهر إلى مساحة أرحب من الأمان.

وتظهر البقصمي في هذا العمل بلغتها البصرية الواضحة؛ فهي كاتبة تجمع بين الأدب والفن التشكيلي، ما يجعل الرواية مشغولة بالصورة بقدر اشتغالها بالحكاية. فالمشهد عندها لا يُروى بالكلمات وحدها، بل يتشكل عبر اللون والرمز والإيقاع الداخلي للشخصيات، ما يمنح النص كثافة فنية وإنسانية في آن واحد.

وتُعد البقصمي من الأسماء الخليجية البارزة التي جمعت بين القصة والرواية والشعر والفن التشكيلي؛ من إصداراتها: «العرق الأسود»، «السدرة»، «امرأة مكهربة»، «خواتم النسيان»، «سمكة تقود دراجة»، و«سيدة الكرتون». وبذلك تأتي «تفاحة في هودج» رواية عن الذاكرة حين تتحول إلى شهادة، وعن النساء اللواتي عبرن القهر بالصمت ثم بالحكي. وهي، في جوهرها، حكاية عن الإنسان حين يُنتزع من جذوره بما تبقى من اسمه وذاكرته وحقه في النجاة.