الجواب المختصر القائل إن طبيعة المهنة الطبية لا تقبل التوقف المفاجئ يبدو صحيحًا، غير أنه لا يقدم التفسير الكامل. فالطبيب يعمل في الحقيقة بعقدين متلازمين: عقد وظيفي يربطه بالمؤسسة ويحدد أوقات عمله وحقوقه وواجباته، وعقد مهني تنبثق عنه التزامات أخلاقية تجاه المريض تظل سارية حتى بعد انتهاء الوردية.
اللافت أن بعض المؤسسات تضبط العقد الأول بدقة وتعتمد في الوقت نفسه على العقد الثاني. فالتأخر الصباحي بعشر دقائق يسجل في النظام بدقة متناهية، لكن الوقت الإضافي الذي يقضيه الطبيب لاستكمال فحص حالة أو التأكد من سلامة نقل مسؤوليتها لا يظهر في أي مؤشر رقابي. وعند وقوع خطأ، يتحول السؤال سريعًا إلى الطبيب وقراره ومسؤوليته المهنية، بينما يستحق نظام العمل وآلية التسليم القدر نفسه من التدقيق.
عقدان متلازمان وقياس غير متوازن
هنا تتضح معادلة غير متوازنة: التزام يمتد ما بعد ساعات الدوام، وقياس يتقيد بسقف زمني. وقد يعتبر البعض بقاء الطبيب بعد نهاية ورديته نموذجًا للتفاني، وقد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات. لكن حين يتكرر هذا المشهد يوميًا، يفرض السؤال نفسه: لماذا يحتاج الطبيب إلى البقاء أصلًا؟
استمرارية الرعاية تتطلب نظامًا يحدد المسؤول عن الاستلام، وكيف تنتقل المعلومات الحرجة بين الفرق، ومتى يصبح المريض رسميًا في عهدة الفريق الجديد. وقد بينت دراسة متعددة المراكز نشرتها مجلة NEJM أن تطبيق برنامج منظم لتسليم المرضى أسفر عن انخفاض الأخطاء الطبية بنسبة 23% والأحداث الضارة التي يمكن تفاديها بنسبة 30%، دون زيادة ملموسة في وقت التسليم.
فالتسليم المنظم ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل هو ركيزة من ركائز سلامة المريض، تتيح انتقال المسؤولية دون الحاجة إلى التضحية الفردية المستمرة. لذا يمكن القول إن بقاء الطبيب بعد الدوام قد يمثل فضيلة في بعض الظروف، لكنه حين يتحول إلى ظاهرة معتادة، فهو يرجح وجود خلل تنظيمي في المؤسسة. والمشكلة ذاتها تظهر في أدوات قياس الأداء، إذ نميل إلى التقاط ما يسهل قياسه بدقة، بينما يغيب عنا ما يصعب التعبير عنه بالأرقام.
حدود القياس الرقمي
المشكلة ليست في مراقبة الحضور أو الالتزام بساعات العمل، فذلك جزء من الانضباط المهني، ومن حق المؤسسة معرفة كيفية استثمار وقت الموظفين. المشكلة تبدأ حين يتحول ما يسهل قياسه إلى تعريف ووحيد للأداء. فالبصمة تخبرنا بوقت دخول الطبيب وخروجه، لكنها عاجزة عن إخبارنا بجودة قراره، أو دقة تشخيصه، أو الوقت الذي اقتضته حالة سريرية معقدة، أو خطأ جرى تجنبه قبل وصوله إلى المريض.
هنا تكمن خطورة الإدارة بالأرقام: فهي تعطينا صورة دقيقة عن شريحة محدودة من العمل، ثم تغرينا بالتعامل معها كما لو كانت تمثل الصورة الكاملة.
لنأخذ مثالًا بسيطًا: طبيب استقبل خمسين مريضًا خلال أربع ساعات، وآخر استقبل خمسة عشر. أيهما أكثر كفاءة؟
العدد وحده لا يقدم جوابًا دقيقًا، إذ لا يعكس درجة تعقيد الحالات. فالطبيب الثاني ربما راجع أدوية عدة لمريض مسن، وأجرى فحوصات أدق، وناقش الخيارات العلاجية، ونظّم إحالة متكاملة. فتجد وصفة لمريض مستقر لا يساوي التعامل مع مريض يشكو من أمراض مزمنة متعددة وأعراض متداخلة.
من الكم إلى القيمة
لذلك يبدو الانتقال من قياس عدد المرضى إلى تقييم قيمة الرعاية المقدمة خطوة منطقية. لكن استبدال رقم برقم آخر لا يكفي وحده. فالتوثيق قد يكون كاملًا، بينما تتفاوت جودة القرار السريري. ورضا المريض يمنحنا جزءًا آخر من الصورة. وحين يتحول المؤشر إلى هدف بحد ذاته، يتكيف السلوك معه تدريجيًا. وهنا يظهر السؤال الجوهري: كيف نحكم فعلًا على أداء الطبيب؟
بعض جوانب الجودة تحتاج إلى عين خبيرة تفهم تعقيد القرار الطبي، وتتم عبر مراجعة الأقران، ومناقشة الحالات، والتدقيق السريري، وتحليل الأخطاء والحوادث. هذه الأدوات تمنح الأرقام سياقها ومعناها العميق.
المساءلة بلا تحيز
هذا لا يعني إعفاء الطبيب من سؤال المساءلة. فالانضباط والحضور والتوثيق وحجم العمل عناصر ضرورية، والتقصير فيها يستوجب المحاسبة. لكن تحويل واحد منها إلى تعريف شامل للأداء يشوه نظرة المؤسسة إلى كفاءات الأطباء. المطلوب إدارة تدرك طبيعة العمل الذي تقيسه: تسليم سريري واضح وموثق، وجداول عمل تراعي حجم العبء وتعقيد الحالات، ومؤشرات متعددة الأبعاد، ومراجعة مهنية تفسر الأرقام بدلًا من الاكتفاء بجمعها.
عندها تصبح العبارة التي تُقال عن الشريان صادقة في حق الطبيب أيضًا: ينتهي دوامه، وتنتقل مسؤولية المريض بأمان إلى ممارس آخر. فالنظام الجيد يسمح للطبيب بالمغادرة، ويضمن للمريض استمرار الرعاية. يتغير الطبيب، وتبقى المسؤولية.






