تتناول هذه الدراسة تطور مصطلح “الراوي” انطلاقاً من جذوره اللغوية وصولاً إلى مكانته في النظرية السردية ونظرية التلقي، مع تسليط الضوء على التحولات الدلالية التي مرت بها اللفظة عبر العصور.
المعنى اللغوي لجذر “روي”
في المعجم اللغوي، يُشتق “الراوي” من الفعل “روى يروي رياً ورواية”. ويذكر لسان العرب أن “الراوية” هي المزادة التي تحمل الماء، كما يُطلق على البعير اسم راوية مجازاً لقربه من الماء؛ استشهد الشاعر لبيد بقوله: “فتولوا فاتراً مشيهمُ كروايا الطبع همت بالوحل”. ويُقال للرجل الضعيف الوادع إنه “ما يرد الراوية”، أي يضعف عن ردها لثقلها. كما أن الراوية تطلق على البعير أو البغل أو الحمار الذي يُستقى عليه الماء، وكذلك على الرجل المستقي نفسه. وقد ورد في الحديث النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى السحاب “روايا البلاد” تشبيهاً بالإبل الحاملة للماء. ويقول الجوهري عن يعقوب: “ورويت القوم أرويهم إذا استقيت لهم الماء”.
يتضح أن الأصل اللغوي لمادة “روي” يرتبط بالسقاية وإحضار الماء. والراوية — وإن كانت مؤنثة لفظاً — تطلق على الذكر والأنثى، وتُستخدم للبعير وما يشبهه من حاملات الماء. وعند إطلاقها على الذكر، تكون للمبالغة، مثل “علامة ونسابة وراوية”. ثم انتقلت اللفظة لتدل على الرجل الذي يحمل الماء إلى أهله، وهو أول مجاز في استخدام الكلمة.
الانتقالات المجازية للمصطلح
في العصر الجاهلي، كما يذكر صاحب اللسان، انتقلت اللفظة من معناها المادي إلى من يحفظ شعر شاعر وينقله للناس. فقد قالت عائشة رضي الله عنها: “ترووا شعر حجية بن المضرّب فإنه يعين على البر، وقد روّاني إياه”. ويُقال “رجل راوٍ”، واستشهد الفرزدق بقوله: “أما كان، في مَعْدانَ والفيلِ، شاغلٌ.. لعَنْبَسةَ الراوي عليَّ القَصائدا؟”. وتُستخدم “راوية” للمبالغة في كثرة الرواية. ويُقال: “روى فلان فلاناً شعراً” إذا حمله على حفظه للرواية. ويذكر الجوهري: “رويت الحديث والشعر رواية فأنا راوٍ في الماء والشعر، جمع رُواة”.
ظل المصطلح يُطلق على شخصية ذات كيان حي شاخص بين المستمعين، فالراوي هو من يحفظ ويلقي الشعر أو الأخبار أو الحديث النبوي، أي مهنة يمتهنها الإنسان. وقد مر المصطلح بثلاث انتقالات في المعنى: الأول هو المعنى الأصلي (قربة الماء أو الإبل الحاملة للماء)، والثاني هو (ساقي الماء من الرجال) وهو مجاز محلي ينقل المعنى من المحل إلى صاحب الحال، والثالث هو (راوية الحديث أو الشعر) وهو مجاز مشابهة حيث شبه راوية الحديث براوي الماء في سقيه للقلوب والعقول. ثم يأتي المجاز الأخير حيث انتقلت اللفظة من المادية الوجودية إلى المعنوية، فأصبح الراوي وفق النظرية السردية شخصية افتراضية أوجدها المؤلف الحقيقي للنص، ووجودها يتصل بوجهة النظر أو زاوية الرؤية.
الراوي في النظرية السردية
قبل الحديث عن الراوي في النظرية السردية، لا بد من التعريف الموجز بالسرد. في الأدب العربي والعالمي، كان الراوي كائناً مشخصاً مادياً حقيقياً، فقد هيمن على النقاد والقراء في النصف الأول من القرن التاسع عشر أن الراوي هو ذاته الكاتب. لكن هذه الرؤية بدأت تتغير بعد أن كتب هنري جيمس بحثه “فن الخيال” (The Art of Fiction) عام 1884م، ليبدأ التفريق بين الاثنين. ومع ذلك، ظل الكثير من القراء البسطاء يعتقدون أن راوي الحكاية هو كاتب النص. بعد هذا العام، أصبح الراوي كائناً مجرداً في النظرية السردية.
اشتُق من مصطلح السرد مصطلحات عديدة، وأهمها “الراوي” وما اشتق منه. لكن هناك خلط كبير في هذا المصطلح، حيث أن المرادف الأجنبي له هو “Narrator” المشتق من “Narration”، مما دفع كثيراً من المترجمين إلى إقصاء المصطلح العربي الأصيل واستخدام “السارد” بدلاً منه. ويخلط بعض القراء بين “السارد” (كاتب النص الحقيقي) و”الراوي” (الصوت الذي يروي السرد أو الحكاية).
أصبح الراوي عنصراً من عناصر البناء السردي أو الفني للقصة أو الرواية أو الحكاية. فعند دراسة البناء السردي، ندرس أربعة عناصر: الراوي والمروي له، الشخصيات، الفضاء السردي، والحدث. فالراوي أصبح ركناً رئيسياً في الدراسات السردية، بوصفه إحدى اللبنات الأساسية في بناء السرد، ويتوقف فهمنا للحكي على معرفتنا بالراوي ومكان تموضعه في الحكاية ودوره فيها.
وقعت الدراسات السردية الحديثة مع الراوي في متاهات عديدة بحسب وجهات النظر والزوايا التي تنظر إليه، بل حتى النظريات النقدية الأخرى. فقد تم تقسيم الراوي إلى أشكال وأصناف عديدة، وتغيرت تسميته الاصطلاحية بحسب الطريقة التي تتعامل معه.
الراوي والمروي له في نظرية التلقي
لم يصطلح دارسو نظرية التلقي على شيء باسم الراوي، لأن آليات النظرية تعتمد على جانبين مهمين: عملية الكتابة والتأليف، وعملية تلقي الكتابة. لذا فإن أهم أركان هذه النظرية هو الكاتب الضمني أو المؤلف الضمني أو مؤلف مقتضى أو مؤلف مجرد أو مؤلف معني — وهذه ترجمات عربية متعددة للمصطلح الأجنبي “Auteur Implicite”. وشاع في الدراسات العربية أحد المصطلحين: “كاتب ضمني” أو “مؤلف ضمني” بالتنكير أو التعريف. ويُعد من العيب أن يستخدم الباحث أكثر من ترجمة للمصطلح في البحث نفسه، ويُفضل توحيد المصطلح في المقتبس والتنويه في الحاشية أو العكس.
أما القارئ الضمني، فلم يحظ بترجمات عديدة، بل اكتفي بـ”قارئ مقتضي” مع “قارئ ضمني”، ويترجمه السيد إمام بـ”الراوي الضمني”، وهو ترجمة للمصطلح الأجنبي “Lecteur Implicite”. عانت نظرية التلقي كمصطلح في بدايات ترجمتها من تعدد الترجمات، فنجدها ترجمت إلى “نظرية الاستقبال” و”جمالية التقبل” وأخيراً “نظرية التلقي” عند عز الدين إسماعيل من خلال ترجمته لكتاب “نظرية التلقي” لروبرت هولب.
تعتمد النظرية على مرتكزين: المؤلف والقارئ، لكن ليس المؤلف الحقيقي للنص بل ما تسميه النظرية “المؤلف الضمني”، وكذلك القارئ فهو “قارئ ضمني” وليس حقيقياً. ويخلط الكثير بين المؤلف الضمني والراوي، في حين أن النص السردي له مؤلف ضمني واحد وقد يتعدد الرواة فيه. فالمؤلف الضمني “لا يحكي مواقف وأحداثاً”، بل هو المسؤول عن اختيار المواقف وتوزيعها وخلق الشخصيات. كما أن النص السردي له مؤلف ضمني واحد قد يتعدد مؤلفوه الحقيقيون، بينما قد يكون للمؤلف الحقيقي عدة نصوص، أما النص السردي فليس له إلا مؤلف ضمني واحد. وهناك أوجه تقاطع واختلاف بين الراوي والمؤلف الضمني، على سبيل المثال: قد يتشكل لنا من خلال قراءة النص أن المؤلف الضمني في رواية ما شخص يقدس العائلة والاستقرار، وفي رواية أخرى العكس، مع العلم أنه قد تكون الروايتان لمؤلف واحد وكتبتا في نفس الفترة الزمنية.






