ليس من العدل النظر إلى المنتدى السعودي للإعلام باعتباره تجربة فاشلة؛ إذ تمكن في فترة وجيزة من بناء حضور بارز، وجمع تحت مظلته شخصيات وكوادر وتجارب إعلامية متنوعة، ووضع الإعلام في صدارة الاهتمام. لكن النجاح في المشاريع الكبرى لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل بداية الطريق نحو أسئلة أعمق.
طموح يتجاوز الحجم
المملكة التي أعادت تشكيل حضورها الدولي في مجالات الرياضة والسياحة والاستثمار والثقافة والترفيه والتقنية، ونجحت في تحويل العديد من قطاعاتها إلى منصات عالمية تجذب العالم إليها، لا تزال بحاجة إلى طرح السؤال نفسه في قطاع الإعلام تحديداً؛ لأنه الشريك الأساسي في نقل هذه الإنجازات إلى العالم وصياغة صورتها وتأثيرها. فهل نسعى إلى منتدى إعلامي كبير، أم نريد للرياض أن تصبح عاصمة مؤثرة في صناعة الإعلام العالمي؟
الفرق بين السؤالين كبير؛ فالمدى العالمي للمنتدى لا يُقاس بعدد الضيوف الأجانب أو عدد الجلسات المترجمة، بل بما يتركه من بصمة خارج حدود المكان. كم مؤسسة إعلامية دولية أصبحت شريكاً للمنتدى؟ وكم مشروعاً إعلامياً عالمياً انبثق من أروقته؟ وكم شركة ومحتوى وموهبة سعودية وجدت عبره طريقاً إلى الأسواق الخارجية؟ وكم قضية إعلامية أصبح المنتدى طرفاً في تشكيل مستقبلها، وليس مجرد منصة للحديث عنها؟
التجديد بدلاً من التكرار
وهناك سؤال آخر أكثر أهمية؛ وهو ما إذا كانت دائرة تأثير المنتدى وحضوره العالمي قد اتسعت بالقدر الذي اتسع به حجمه. إن تكرار الأسماء والوجوه والمتحدثين والمدعوين في دورات متتالية قد يمنح المنتدى استقراراً في فرق العمل وشبكة علاقات متراكمة، لكنه قد يؤدي، ولو من غير قصد، إلى دائرة محدودة من المشاركة، ويقلل من فرص التجديد والانفتاح على تجارب وأصوات ومدارس إعلامية جديدة. فالإعلام صناعة متجددة، ومن الصعب الحديث عن المستقبل بالأدوات والوجوه نفسها. والتجديد هنا ليس إقصاءً لأحد، بل توسيع لدائرة الفرص والأفكار والتجارب.
وقد أنشأ المنتدى عدداً من المبادرات المحلية، وهي مكسب مهم، لكنها لا ينبغي أن تكون سقف الطموح؛ إذ قد يؤدي الاكتفاء بها إلى تقليص المساحة الدولية التي يفترض أن يتقدم إليها المنتدى، ويحد من المكاسب الممكنة للوطن. فالمملكة اليوم ليست في مرحلة بناء إعلامها فحسب، بل في مرحلة تستطيع فيها بناء صناعة إعلامية ذات حضور وتأثير عالميين. ومن هنا ينبغي أن يكون المنتدى بوابة مزدوجة؛ أي يدخل منها الإعلام العالمي إلى المملكة، وينطلق منها الإعلام السعودي إلى العالم.
الإنفاق والعائد المستدام
ويبقى سؤال الأثر والإنفاق. فإذا صحت الأرقام المتداولة عن ارتفاع تكلفة المنتدى بصورة كبيرة بين دوراته، فإن المسألة لا تستحق الاعتراض بقدر ما تستحق قياس العائد والقيمة المتحققة. فكلما كبر حجم الإنفاق ارتفع معه سقف التوقعات. وليس مهماً فقط كم أنفقنا على المنتدى، بل ماذا حقق هذا الإنفاق من نفوذ وشراكات واستثمارات ومحتوى وفرص ومكاسب مستدامة للمشهد الإعلامي السعودي.
لقد أتقنت المملكة قيادة المشهد في قطاعات كثيرة، ولم تعد تكتفي بالحضور فيها؛ بل أصبحت تصنع اتجاهاتها وتؤثر في مساراتها. والإعلام السعودي يستحق الطموح نفسه، وأن تكون الريادة السعودية فيه فاعلة عالمياً، لا محلية التأثير فحسب.
من الأكبر إلى الأكثر تأثيراً
لذلك، ربما حان الوقت ألا يكون السؤال: كيف نجعل المنتدى أكبر؟ بل كيف نجعله أكثر تأثيراً؟ نعم، نجح المنتدى في صناعة الحدث، والمرحلة المقبلة تتطلب أن ينجح في صناعة الأثر والنفوذ والمكاسب الإعلامية المستدامة؛ مكاسب تليق بوطن أصبح يعرف جيداً كيف يقود العالم في القطاعات التي يقرر أن يقودها.
*مستشار إعلامي






