عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

الواجب الأخلاقي في الوفاء بالوعود الخاطئة: بين الضمير والضغط

20/05/2026 19:02

يتساءل الكثيرون عن مدى حق الطرف الثاني (الموعود) في الإصرار على إلزام الطرف الأول (الواعد) بالوفاء بوعد يعتبر خاطئًا أو سيئًا أو غير أخلاقي أو غير قانوني. يطرح البعض أن الأغلبية من أصحاب الأخلاق يتفقون على أن الوعد لا يلزم إذا كان سيؤدي إلى فعل شرير أو غير أخلاقي، وهو ما يبدو معقولًا، لكن الموضوع يفتح أمامنا ثلاث مسائلات رئيسية.

مسألة نسبية الأخلاق ووجهات النظر

الأولى تتعلق بنسبية الأخلاق؛ فماذا لو تراجع الواعد أو رفض تنفيذ الوعد بحجة أنه أمر سيء أو شري في نظره، بينما لا يقتنع الموعود بذلك لأنه لا يرى في الوفاء بالوعد أي خطأ أو ضرر؟ هنا يتجسد الاختلاف في تقييم ما هو “سيء” أو “غير أخلاقي” بين الطرفين.

الضغط والتهديدات من الموعود

الثانية تتعلق بما إذا كان الموعود يصر على تهديد الواعد، مثلاً بالقتل أو بإحداث مشكلة كبيرة قد تكون أضرارها أعظم من أضرار الوفاء بالوعد الخاطئ. هل يلتزم الواعد بقاعدة “أخف الضررين”؟ وماذا لو كان الوفاء سيؤدي إلى إضرار المجتمع أو شخص بريء؟

تأثير عدم الوفاء على الثقة العامة

الثالثة تتعلق بآثار عدم الوفاء على سمعة الواعد إذا علم عدد من الأشخاص بالموضوع. قد يهز ذلك ثقة الناس به، خصوصًا إذا كانت سمعته مبنية على معطيات إيجابية أخرى.

مقاربة حلّية وفقًا لقاعدة الأصوليين

تستند الفكرة إلى مبدأ الأصوليين في الفقه: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”. مع ذلك، قد تتغلب الضغوط والظروف على هذا المبدأ، ولذلك يُقترح التدرج التالي:

1- تقييم ما إذا كان الوعد السيء أخف من الكذب أو الخداع، وما إذا كان سيسبب أضرارًا للآخرين أو يمسّ شيئًا لا يجوز المساس به. إذا كان الوعد بسيطًا أو أقل سوءًا من الكذب، فقد يُستحب الوفاء به رغم عدم رضاه، طالما يبقى ضمن نطاق التقدير النسبي واختلاف وجهات النظر.

2- إذا كان الوعد يحمل وزنًا كبيرًا من السوء أو الضرر، فيجب محاولة إقناع الموعود بالحوار والمنطق لإيقاظ ضميره وإزالة الإلحاح أو التهديد.

3- إذا أصر الموعود وأظهر أنه قد يرتكب فعلًا ذا ضرر هائل يفوق ضرر الوفاء بالوعد، يجوز إرضاؤه بطريقة بديلة، مثل تعويضه بوسيلة أخلاقية وسليمة تجعل الموعود يقتنع ويترك الوعد الأصلي غير السليم.

4- إذا رفض الموعود كل محاولات الإقناع، قد يُستحسن البحث عن مهرب ذكي، كالإقناع بأن الوفاء بالوعد سيضرّه هو قبل غيره، أو التحجّج بتغيّر الظروف التي بُني عليها الوعد.

5- إذا لم يجد الواعد مخرجًا، ولا يستطيع الوفاء بالوعد الذي تبين له أنه سيء أو قبيح، فيجوز له الانسحاب بهدوء مع توضيح السبب للوعود، مثل: “سامحني، لا أستطيع الوفاء لأن ضميري لا يقبل، وأعتذر لتسرّعي في الوعد”.

6- إذا فشلت جميع الأساليب، وأدرك الواعد أن الموعود سيستجيب بردة فعل خطيرة تفوق ضرر الوفاء بالوعد الخاطئ، قد يصبح من المبرر استثنائياً الوفاء بالوعد، بشرط أن يبذل الواعد كل ما في وسعه لتقليل حجم الوفاء أو تنفيذه جزئيًا، مع السعي لتقليل الضرر إلى أدنى حد ممكن.

للنشر و الاعلان