عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

قوة الصمت: تأمل في معناه وقيمته

12/06/2026 01:02

الصمت كمهارة واعية

إننا نعيش في زمن يملأه الكلام، وتكاد الضوضاء من الآراء أن تُخنق السمع، فَيَصْبِحُ الصمت خيارًا نادرًا ومهارة تُكتسب عبر وعي عميق بالنفس وتأمل ما يحيط بنا من كائنات صامتة. فالصمت ليس مجردabsence of speech؛ بل هو حضور مختلف: استماع داخلي، فكر متعمق، وروح ترتفع عن الشئون الدنيوية.

الصمت في القرآن وسيرة مريم

يأخذنا القرآن الكريم إلى أعمق معاني هذا المفهوم من خلال قول الله تعالى في قصة مريم عليها السلام: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، مريم: 26. هنا يُفهم الصوم على أنه صمتٌ متعمد، قرارٌ بالامتناع عن الكلام كعملٍ مقصود يتجاوز رد الفعل العفوي، aiming to establish a calm relationship with the self in complete stillness, while the presence of others remains in the scene without direct interaction. في موقف مليء بالاتهام والدهشة، تلتزم مريم بعدم الدفاع أو الشرح أو التبرير، وتنفيذ أمر الله باستخدام أداة أخرى أقوى في المواجهة؛ فالصمت يعبر عن ثقة مطلقة بما سيظهر، وهو تفويضٌ لله أن يتولى البيان ويكشف الحقيقة في وقتها. ومن هذا المنطلق تتجلى قوة الصمت عندما ندرك أن الحقيقة أرفع من أن تُستنزف في جدل، وأن السكوت قد يحمل من البيان ما تعجز عنه الكلمات.

الصمت في الحياة اليومية وتأثيره

في حياتنا اليومية، يخلط كثيرون بين الصمت والعجز أو بينه وبين الانسحاب، بينما الصمت الواعي هو اختيارٌ حرٌّ، لا إجبارٌ؛ فهو ينبع من امتلاك القدرة على الكلام ثم decisione بعدم استخدامها، إدراكًا أن الكلمة في غير مكانها قد تفقد معناها وربما تضر بصاحبها أكثر مما تنفعه.

ثمّة لحظات يكون الصمت فيها أداة لاستعادة التوازن؛ إذ إن تقدير الذات غالبًا ما يكون أبلغ من الانتصار في بعض المواقف، والكلام أحيانًا يستنزف الطاقة ويبدد القوى.

ومن زاوية أعمق، يربي الصمت في الإنسان ملكة الإصغاء؛ فهو يتيح الاستماع للآخر، وللذات، وللمعاني الكامنة خلف الكلمات. بينما يعبر الكلام عما نعرفه، يفتح الصمت بابًا لما نجهل، ولعلّ أجمل ما فيه أنه يسمح للمعاني بالنمو في الداخل بعيدًا عن عجلة التعبير وضغط التبرير.

وفي الوقت الذي يُكافأ فيه الصوت العالي، وتمنح الكلمة المتسرعة حضورًا زائفًا، يصبح الصمت فضيلة نادرة وموقفًا أخلاقيًا رفيعًا؛ إنه يختاره من يدركون أن التأثير الحقيقي وامتلاك المواقف وإحداث المعنى يتطلبان مزيجًا من الهدوء والتروي.

الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا.

للنشر و الاعلان