في زاوية جديدة مخصصة للقراءة، تقودنا الروائية السعودية والباحثة في مجال العلم الوظيفي والتوحد، لينة بنت عبدالعزيز الشعلان، صاحبة رواية «أخابيط» التي حظيت بإشادة النقاد كعمل مبتكر في أدب الخيال العلمي السعودي ورُشحت للاقتباس السينمائي من قبل جمعية الأدب المهنية، إلى عوالم من الكتب التي اطلعت عليها مؤخراً وتوصي بقراءتها.
«الهامس»: غوص في دهاليز النفس
تفتح الكاتبة العنود البكر في روايتها «الهامس» أبواباً سرية نحو أعماق النفس البشرية، مستخدمةً قلماً لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يتعمق في تعقيداتها النفسية والاجتماعية بصبر وأناة. تدور الأحداث على خط رفيع يجمع بين الغموض والتشويق، حيث تحوّل العنود الصراعات الداخلية الخفية إلى مشاهد حية. تنسج الكاتبة شبكة من المشاعر المتأرجحة بين البوح والانطواء، مما يجعل القارئ يلهث خلف السطور ليس فقط لمعرفة النهاية، بل لاستكشاف خفايا الذات الإنسانية ومواجهة مراياها المعتمة. «الهامس» ليست مجرد رواية للتسلية، بل تجربة أدبية مكتوبة بعناية لتستفز وعي القارئ وتترسخ في وجدانه لفترة طويلة.
«أعلنت الحرب على كلماتي»: دليل الكاتب الناشئ
يطرح عبدالله العريفي في كتابه «أعلنت الحرب على كلماتي» فكرة أن للكتابة لحظتين لا لحظة واحدة: لحظة تندفع فيها الكلمات كما تشاء، وأخرى يعود فيها الكاتب إلى كلماته بعين من لم يكتبها. بين هاتين اللحظتين يكمن الفارق، ويميز المؤلف بين شخصيتين تسكنان كل كاتب: المندفع الذي يسكب الفكرة، والمحرر الذي يعود إليها بعقل بارد. لم يتمكن المؤلف من الفصل بينهما في وقتين منفصلين، فاعترى نصه سبعة فصول تتناول الحذف والتكرار والإيقاع ونحت الجملة، وتنتهي بسؤال نادراً ما يُجاب عنه: متى يضع الكاتب قلمه؟ هذا كتاب لمن يشعر أن نصوصه تستحق أن تزدهر وتعلو. وتقول الشعلان: «سعدت بإيجاد كاتب سعودي متخصص في التحرير وتمكن من اختزاله وتقريبه للكاتب الناشئ، كما استفدت على الصعيد الشخصي كثيراً من نصائح عبدالله العريفي لتحسين الكتابة».
«يمين أعسر» و«في الطريق إلي»: عوالم خيالية وشعرية
رواية «يمين أعسر» لليان الرشيد هي رواية خيالية موجهة لليافعين، تصف المؤلفة بأسلوب سلس وعفوي أحداث الرواية في أرض الغرب، حيث ينقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات: أعلاها مستخدمو اليد اليمنى وهم النبلاء والملوك، تليها طبقة مستخدمي اليد اليسرى وهم الخدم والعمال، وأخيراً طبقة الناقصين وهم كل من يعاني إعاقة في يديه. يتابع القارئ رحلة البطل «جالوت» حين يتعرض لحادثة مأساوية تُبتر فيها ذراعه اليمنى، وتتناول الرواية معاني الصداقة والوفاء في عالم خيالي حافل بالمعارك والوحوش الكاسرة.
أما ديوان «في الطريق إلي» لضحى الهاشمي، فهو من النوع الذي لا يُقرأ فقط بل يُعاش. لا تقف الشاعرة خلف كلماتها بل في داخلها. يحمل الديوان إهداءً يختصر روحه: إلى الأم والأب، ثم إلى اللغة والحب، «فهما أيضًا لي أمٌّ وأب». تبدأ الكاتبة رحلتها للبحث عن الانتماء، للآخر وللذات في آن واحد. يجمع الديوان القصائد والحب والخسارة والبحث عن النفس بلغة تمضي بين الرهافة والجرأة. يعد عنوان الديوان بوصلة: الطريق إلى الذات ليس خطاً مستقيماً، بل اشتباك موجع في الطريق إلى الضوء. إنه ليس فقط ديواناً أول، بل تجربة إنسانية حقيقية تستحق الالتفات.
«ذاكرة الفم الملون»: تفاصيل يومية بأسلوب ساخر
المجموعة القصصية «ذاكرة الفم الملون» لعباد حسين تتميز بتعدد مواضيعها وتنوع أساليبها السردية، حيث تنتقل بين فضاءات اجتماعية وأدبية مختلفة. وظف عباد أدواته السردية لتناسب مناخ كل قصة، ممتزجاً بين السخرية اللاذعة والسرد التقليدي. أكثر ما شد الشعلان هو اتخاذ المؤلف من التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية منطلقاً لبناء عوالمه. لم تغب الجرأة عن معالجة بعض القصص، حيث تجلت في مقاربة المسكوت عنه بخفة لغوية، ويتأرجح السرد بخفة بارعة بين الفصحى والعامية موائماً بيئة الحدث؛ بين طفولته في القرية، وتساؤلاته كبالغ في العالم المعاصر الذي يحكمه صراع الأبراج الإسمنتية والحديد.






