عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026
الرياض +22°C

تقرير استراتيجي& يحذر من نقاط اختناق تُهدد فرصة اقتصادية خليجية بـ260 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي

07/09/2026 15:02

كشف تقرير جديد صادر عن شركة استراتيجي آند الشرق الأوسط، إحدى الشركات التابعة لشبكة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، عن وجود تحديات استراتيجية تواجه دول الخليج في مسعاها لحماية البنية التحتية والتقنيات التي تقوم عليها فرصة اقتصادية تُقدر بنحو 260 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030. وأوضح التقرير أن الاعتماد المتزايد للمنطقة على منظومات عالمية في مجالات الرقائق والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يُعرّضها لمخاطر اقتصادية واستراتيجية كبيرة.

وبحسب التقرير، تتركز نقاط الاختناق الحرجة في سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي في عدة مستويات، تبدأ من أشباه الموصلات المتقدمة والبنية التحتية المادية، وصولاً إلى منصات الحوسبة السحابية والنماذج الرائدة والكفاءات المتخصصة. ويشير التقرير إلى أن هذا التركّز الشديد لدى عدد محدود نسبياً من المزودين العالميين يعني أن الدول غير القادرة على ضمان استمرارية الوصول إلى هذه القدرات قد تتعرض لمخاطر اقتصادية واستراتيجية جسيمة.

السيادة العملية في الذكاء الاصطناعي: بديل عن التوسع المفرط في التوطين

ترى استراتيجي آند أن الحل لا يكمن في سعي دول الخليج لامتلاك وتشغيل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي بالكامل بمفردها، إذ قد يؤدي التوسع المفرط في التوطين إلى ظهور مواطن ضعف جديدة. ويستشهد التقرير بالصراعات التي شهدها الشرق الأوسط في عام 2026، والتي أدت إلى اضطراب البنية التحتية للحوسبة السحابية في الإمارات العربية المتحدة والبحرين، كدليل على هذه المخاطر.

وبدلاً من ذلك، يدعو التقرير إلى تبني مفهوم “السيادة العملية في الذكاء الاصطناعي”، الذي يحقق توازناً بين الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية على قدرات الذكاء الاصطناعي الحرجة وتجنب السعي إلى امتلاك سلسلة القيمة بأكملها. وفي هذا السياق، قال شادي سميرة، الشريك في استراتيجي آند ميدل إيست: “حققت دول الخليج تقدمًا ملحوظًا في ترسيخ مكانتها في طليعة الدول عالميًا في تبني الذكاء الاصطناعي. ومع انتقال المنطقة إلى المرحلة التالية من ريادتها التقنية، لا يتمثل الهدف في الانعزال أو السعي إلى امتلاك كل عنصر من عناصر سلسلة الإمداد العالمية للذكاء الاصطناعي، لما قد يترتب على ذلك من مواطن ضعف داخلية. وإنما يتمثل في تحقيق السيادة العملية في الذكاء الاصطناعي، من خلال تأمين الوصول إلى القدرات ذات الأهمية، وإحكام السيطرة حيثما كان ضروريًا، والريادة عالميًا بالمجالات التي يمكن تحقيق قيمة اقتصادية واعدة بها.”

التوسع خارج إطار توطين وحدات معالجة الرسومات (GPU)

يركز جزء كبير من النقاش العالمي حول سيادة الذكاء الاصطناعي على تأمين الوصول إلى الرقائق المتقدمة، لكن استراتيجي آند ترى أن حصر النقاش في هذا الجانب لا يعكس الصورة الكاملة. فالريادة في مجال الذكاء الاصطناعي تتطلب ضمان مرونة واستمرارية الوصول عبر خمس طبقات مترابطة: أشباه الموصلات والمعدات؛ والبنية التحتية المادية والاتصال؛ ومنصات الحوسبة السحابية؛ والنماذج والقدرات الذكية؛ وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على مستوى القطاعات. وتعتمد هذه الطبقات بدورها على ثلاثة عوامل تمكين مشتركة، هي: الكفاءات ورأس المال البشري؛ والأمن السيبراني والمرونة الرقمية؛ وسيادة البيانات والخصوصية.

ويُظهر التقرير حجم تركّز نقاط الاختناق، إذ يتركز نحو 75% من تصنيع أشباه الموصلات عالميًا في شرق آسيا، فيما تستحوذ أكبر ثلاث شركات للحوسبة السحابية فائقة النطاق على نحو 65% من سوق البنية التحتية السحابية عالميًا. كما يتركز تطوير النماذج الرائدة لدى عدد محدود نسبيًا من مختبرات الشركات، في حين لا يزال الوصول إلى الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي محدودًا في ظل المنافسة العالمية. ويحذر التقرير من أن الدول التي يتعطل وصولها إلى قدرات الذكاء الاصطناعي قد تواجه تسربًا لجزء من القيمة الاقتصادية إلى مزودي الرقائق الخارجيين وشركات الحوسبة السحابية ومطوري النماذج، إلى جانب مخاطر استراتيجية نتيجة خضوع الرقائق والنماذج والخدمات السحابية لسيطرة أطراف خارجية، فضلاً عن التعرض لمخاطر الاختصاصات القضائية وتغير القواعد واللوائح التنظيمية.

نموذج عملي: ضمان الوصول، السيطرة، الشراكة، والتأثير

تقترح استراتيجي آند أربعة توجهات استراتيجية يمكن للحكومات تبنيها وفقاً لمدى تركّز كل طبقة، وكثافة رأس المال، وحساسيتها الاستراتيجية، وقدرتها على تحقيق القيمة. وتشمل هذه التوجهات: ضمان الوصول عبر الاتفاقيات والتخصيصات وتنويع المصادر والضمانات التعاقدية، خاصة للقدرات شديدة التركّز مثل الرقائق المتقدمة والمعدات الحرجة والنماذج الرائدة؛ والسيطرة من خلال امتلاك القدرات أو تشغيلها أو حوكمتها في المجالات التي تحتاج لإحكام السيطرة السيادية، مثل البيانات الوطنية الحساسة والهوية الرقمية والبنية التحتية الحيوية؛ والشراكة بالتعاون مع مزودي التقنية العالميين مع الحفاظ على الحوكمة المحلية والتوطين والمرونة؛ والتأثير عبر الاستفادة من رأس المال والتنظيم والمشتريات والوصول إلى الأسواق لرسم المعايير وأولويات الموردين.

ويقدم التقرير أيضاً مجموعة من المفاهيم العملية والأفكار التنفيذية، منها: منصة وطنية لتبادل موارد الذكاء الاصطناعي تجمّع الطلب الوطني لشراء البنية التحتية؛ ومختبرات وطنية لضمان موثوقية الذكاء الاصطناعي؛ ومنصة حفظ النماذج الوطنية لضمان استمرار الوصول إليها؛ وملاذ البيانات السيادية لتأمين البيانات والنظم الوطنية لدى دول شريكة موثوقة خلال الأزمات.

التحوّل من استهلاك الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجه

يرى التقرير أن السيادة العملية لا تقتصر على حماية دول الخليج من الاضطرابات، بل يمكنها أيضاً تمكين المنطقة من الاستحواذ على حصة أكبر من القيمة الاقتصادية التي يولدها الذكاء الاصطناعي. فعلى مستوى أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته القطاعية، تتاح فرصة للانتقال من استهلاك التقنيات إلى إنتاج حلول ذات جدوى تجارية وخدمات مُدارة ومنصات متخصصة. ويمكن الاستفادة من الطلب الحكومي وطلب الشركات المملوكة للدولة لتوسيع نطاق الحلول ذات الأولوية، وتحويل القدرات المحلية إلى حلول قابلة للتصدير. ويحدد التقرير مجالات يمكن للمنطقة تطوير قدرات متخصصة فيها، مثل القطاع الحكومي والطاقة والقطاع المالي والصحة والخدمات اللوجستية والدفاع، إلى جانب بناء خبرات محلية في تهيئة النماذج وتقييمها، وتطوير حلول مصممة للغة العربية.

واختتم رمزي خوري، الشريك في استراتيجي آند ميدل إيست، قائلاً: “إن تحقيق السيادة العملية نهج استراتيجي مستمر. ويتعين على الحكومات وضع القواعد وتجميع الطلب، فيما تستطيع صناديق الثروة السيادية تأمين الوصول وتعزيز قدرتها على التأثير، بينما يتعين على الشركات الوطنية الرائدة بناء القدرات الحرجة وتشغيلها. وتمتلك دول الخليج ما يلزم من رأس مال وموقع جغرافي وطموح لتعزيز مرونتها، بالتوازي مع الإسهام في تشكيل مسار تطور منظومات الذكاء الاصطناعي على مستوى المنطقة.”