بعد شهر قضاه مكيافللي في تقييد مسالك القوافل ومنافذ التجارة، وإبرام بعض الاتفاقات، ومرافقته للبتليسي في جولاته الميدانية، ومراقبته لكيفية هندسة تحالفات بني عثمان مع أمراء العشائر وقادة الطوائف، تسلم كتاباً مترجماً. أعطى الترجمان كل ما تبقى لديه من مال، ولم يُبق إلا نفقات قوافل الحرير التي ستنطلق به نحو حلب، ومن حلب إلى موانئ الشام، ثم استقل سفينة تجارية نحو إيطاليا.
الانشغال بمشكلات إيطاليا واكتشاف الكتاب
لما بلغ إيطاليا، انشغل بمشكلاتها، إذ كانت الديار الإيطالية مدناً متناحرة تتلاعب بها القوى الأوروبية الكبرى كفرنسا وإسبانيا. وكان المجتمع الإيطالي يعيش انفصاماً نَكِداً بين التدفق الكبير للفنون والآداب والانحطاط السياسي الشنيع. ولما طال أمد هذا الانفصام، انشغل عنه بالقراءة والعزلة. فقرأ مما قرأ الكتاب الذي جاء به من جزيرة ابن عمر، وانتبه إلى أنه يحمل في جعبته الحل الأكبر لكل مشكلات إيطاليا. شده العنوان «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر». قرأه باهتمام وملأ حواشيه بالتعليقات، وأهمها فكرة تحويل الكتابة إلى مهنة سياسية، يكون فيها القول كالفعل.
العقل العربي بين القول والفعل
أدرك مكيافللي أن العقل العربي لا يعترف بانفصام الكلام عن أثره، فكلمة أمير تشتق من الأمر، وإذا نطق الأمر ولم يتحول إلى فعل واقعي، زالت الإمارة وتلاشى الرابط الوجودي بين الراعي والرعية. حتى إنهم إذا خرجوا في سفر – وهو أمر بسيط – أمَّروا عليهم أميراً، لأن الجماعة ورأسها الإمارة هي الرابط بين القول والفعل عند العرب. ولهذا انحاز فقهاء العرب لفكرة وجوب طاعة الأمير حتى لو كان فاسقاً أو ظالماً، مفضلين التمسك بفيزيائية الدولة وما هو كائن فعلاً على حساب المثاليات كالعدالة المطلقة وما ينبغي أن يكون، لدرء أن تكون الأقوال بلا أفعال. وما الأقوال بلا أفعال إلا الكذب والفتنة، «والفتنة أشد من القتل».
ثلاث ملاحظات كبرى في دفتر مكيافللي
قيد مكيافللي في دفاتره ثلاث ملاحظات كبرى عن كتاب «المثل السائر»، وكتب على هامشها: «تُنقل إلى كتابنا الأمير». أولى الملاحظات: أن بناء عقل الدولة يحتاج نثراً فعلياً وليس شعراً قولياً. ثانيها: ضرورة نقل الخيال من سماء التلقي السلبي إلى أرض الإنتاج الفاعل، فكما حول ابن الأثير طرائق التعبير إلى مادة قابلة للقياس وتستعمل لاحتواء الخصوم واستدراجهم، يجب على الحاكم أن يُحول العاطفة والأخلاق إلى أدوات وظيفية تقاس بمدى نفعها في إدارة الممالك. أما الثالثة فهي الانحياز المطلق لما هو كائن، فالعرب في سياساتهم يتعاملون مع إرادة البشر، ويوظفون فهمهم للغرائز والمخاوف لتثبيت أركان الحكم، مرجئين يوتوبيا «ما ينبغي أن يكون» والكمال الأخلاقي إلى الإرادة الإلهية.
من حيل الكاتب إلى أفعال الحاكم
من هنا تبلورت نظرية كتاب «الأمير»، بين حيل الكاتب وأفعال الحاكم. فإذا كان ابن الأثير يُلزم الكاتب الديواني بأن يُزاوج في رسائله بين الوعيد الذي يُخوف المتمردين وبين الملاينة والمداورة لاكتشاف شراك الخصوم واستدراجهم، فإن مكيافللي كتب في نظريته: إذن على الأمير ألا يُحكَم بالفضيلة المجردة، إنما بالمرونة السياسية التي تُزاوج بين أداتين: قوة الأسد التي تُخيف الذئاب المتربصة بدولته، ودهاء الثعلب الذي يستشعر ما خُبئ له، فيتلاعب بخصومه. وكما أن الكاتب ابن الأثير يُخضع كل قواعد اللغة والمحسنات البلاغية لخدمة هدف واحد هو الاستيلاء على عقل المتلقي وبلوغ غاية الإقناع، أدرك مكيافللي أن الحاكم أيضاً يجب أن يُخضع كل القواعد البشرية لخدمة استقرار الدولة. ففي شريعة الكتابة الديوانية عند ابن الأثير الغاية تبرر الوسيلة، وهي كذلك في سلطنة مكيافللي.






