أطلق البروفيسور أندرياس دينجل، الذي يشغل منصب مدير المركز الألماني لأبحاث الذكاء الاصطناعي في مدينة كايزرسلاوترن، تحذيرات واضحة بشأن التهديدات المتنامية التي تطرحها قدرات الذكاء الاصطناعي المتطورة. وأشار إلى أن هذه الأنظمة باتت قادرة على أداء مهامها بشكل مستقل تماماً، مع إمكانية اكتشاف ثغرات داخل أنظمة الحاسوب، وهو ما قد يشكل خطراً متزايداً على الأمن السيبراني والبنية التحتية الحيوية.
قلق متزايد من القدرات الجديدة
وفي تصريحاته، قال دينجل: “لدينا بالتأكيد ما يدعو للقلق، بالنظر إلى مدى القوة التي أصبحت تتمتع بها أدوات الذكاء الاصطناعي”، مشدداً على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد “روبوت محادثة” يقتصر دوره على الإجابة عن استفسارات البشر.
وأوضح دينجل أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، ضمن ما يُعرف بـ”البيئات الوكيلة”، يمكنها إطلاق كامل قدراتها الإدراكية، حيث تستطيع عدة أنظمة تُعرف باسم “الوكلاء” متابعة المهام بشكل مستقل والتفاعل فيما بينها. وأشار إلى أن المشكلة تظهر عندما يُسند إلى مثل هذا النظام هدف لم تتم صياغته بدقة كافية، أو عندما تفتقر هذه الأنظمة إلى الحدود الأخلاقية، وعندها يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجد ثغرات وطرقاً مختصرة لتحقيق هدفه بأقصى درجات النجاح.
تجارب تكشف قدرات قرصنة مقلقة
وفي الآونة الأخيرة، توالت الكشوفات عن قدرات قرصنة مقلقة لدى نماذج ذكاء اصطناعي رائدة. فعلى سبيل المثال، تمكن باحثون بريطانيون متخصصون في الأمن، أثناء تجربة، من ضبط الذكاء الاصطناعي وهو يحاول من تلقاء نفسه إدخال ثغرة أمنية إلى برمجيات متاحة للجمهور. كما توغلت نماذج للذكاء الاصطناعي، بشكل غير مخطط له، في اختبارات داخل أنظمة حاسوبية تابعة لشركات حقيقية.
وفي هذا السياق، أوضح دينجل: “لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي تصرف عن قصد”، مضيفاً أن النظام لا يمتلك فهماً بشرياً لما يعنيه الانفلات، وقال: “لم يكن هدفه في المقام الأول الانفلات، بل حل المهمة”.
قدرات حسابية تكشف أنماطاً خفية
وأشار دينجل إلى أن الخطر يكمن أيضاً في قدرة الذكاء الاصطناعي الهائلة على إجراء العمليات الحسابية، مما يمكنه من اكتشاف أنماط قد لا يلاحظها البشر، وقال: “في بيئة تزداد رقمنة وتعقيداً، يمكن بذلك اكتشاف نقاط ضعف لم تكن معروفة من قبل”.
ويرى دينجل أن الخطر على البنية التحتية الحيوية يتزايد، مؤكداً أن الهجمات على إمدادات الكهرباء أو اتصالات الأقمار الاصطناعية لم تعد خيالاً علمياً. وشرح: “هذا تهديد حاد للغاية نتعرض له فعلياً يومياً، بل كل ساعة”، موضحاً أن وجود هذه الإمكانات بات أمراً واضحاً، مع توفر الكثير من المعلومات المتعلقة بالأنظمة للجمهور، فضلاً عن انتشار إرشادات لتنفيذ هجمات إلكترونية.
دعوات لتنسيق دولي
من هذا المنطلق، يتوقع دينجل أن يستمر مستوى التهديد في الفضاء السيبراني في الارتفاع، لكنه في المقابل يرى سبباً للتفاؤل، حيث بدأت دول تتشابه في قيمها الديمقراطية والأخلاقية في العمل على إجراءات مشتركة. وأوضح أن الأمر لا يتعلق بالتنظيم فحسب، بل قبل كل شيء بالرقابة والملاحقة القضائية.
وأكد دينجل على ضرورة وجود قواعد دولية تتيح فرض عقوبات فعالة، معرباً عن ثقته في إمكانية تشكيل تحالفات قوية من هذا النوع، مشيراً إلى أن أصواتاً من شركات ومؤسسات كبرى في الولايات المتحدة بدأت أيضاً تطالب بمزيد من التنظيم.






