عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

السردية بين أداة تحليلية وملاذ لغوي: هل فقدت معناها؟

09/06/2026 11:02

في الفترات الأخيرة صعد مصطلح «السردية» إلى الواجهة بشكل ملحوظ، متجاوزاً حدود الاستخدام الأكاديمي والقانوني والفكري المتخصص، لتنتقل إلى وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومن ثم إلى التحليلات السياسية. سرعان ما أصبح هذا المصطلح حاضراً في معظم النقاشات، سواء كانت تتعلق بالسياسة، الحروب، الرياضة، الاقتصاد، الثقافة أو حتى الخلافات اليومية.

تساؤلات حول فاعلية الكلمة

يتبادر إلى الأذهان سؤال مشروع: هل لا تزال كلمة «السردية» تؤدي دورها المعرفي الأصلي؟ أم أن تكرار استخدامها قد أفرغها من معناها، وجعلتها ردًا جاهزًا يُستعمل لتغطية أي موضوع تقريبًا؟

من أصل أكاديمي إلى انتشار عام

المفهوم ذاته ليس جديدًا؛ فهو معروف في أوساط الإعلام، تحليل الخطاب، العلوم السياسية، والتحليلات المخابراتية، ويشير إلى الإطار التفسيري الذي يُعرض من خلاله الحدث أو القضية. إلا أن تحويل هذا المصطلح من أداة تحليل دقيقة إلى «مفتاح سحري» لتفسير كل شيء يحمل خطرًا معرفيًا لا يقل عن خطر الجهل بالمفهوم ذاته.

من الجدير بالذكر أن كلمة «السردية» ليست مستحدثة من منصات التواصل الحديثة، بل تعود جذورها إلى مفهوم «السرد» العربي القديم، المرتبط بالحكي وترتيب الوقائع. ومع ذلك، ظهرت صيغتها الحديثة بصورة بارزة في الأدبيات النقدية الغربية المتحيزة سياسياً خلال القرن العشرين، خصوصًا مع تطور نظريات السرد وتحليل الخطاب، ثم انتقلت إلى ميادين القانون، الإعلام، السياسة والعلاقات الدولية.

تمدد دلالي يثير الجدل

حين انتقل المصطلح من بيئته المتخصصة إلى الاستخدام العام، تعرض للتمدد الدلالي، حتى وصل إلى حدود خارج نطاقه العلمي. وهذا ما يفسر جزءًا من الجدل الدائر حوله اليوم. نلاحظ الآن عبارات متعددة مثل: السردية الغربية، السردية المضادة، السردية الإعلامية، السردية الرقمية، السردية الوطنية، السردية الشعبية، سردية الضحية، سردية البطل، وكأن أي رأي مخالف يمكن اختصاره بعبارة واحدة: «هذه مجرد سردية».

تكمن الإشكالية عندما يُستعمل المصطلح بلا ضوابط، فيفقد حدوده العلمية، ويتحول من أداة تفسير إلى تعبير إنشائي غير محدد.

انعكاسات قانونية وفكرية

من الناحية القانونية والفكرية، لا يمكن إهمال مشكلة تضخم المصطلحات، فالقانون يعتمد على التحديد والدقة. لا تُبنى الأنظمة على ألفاظ عامة، بل على تعريفات واضحة وأوصاف محددة تفصل بين المفاهيم. لذا تتحاشى النصوص التشريعية والقضائية العبارات القابلة للتأويل غير المنضبط؛ لأن التوسّع المفرط في المفهوم يفتح المجال لسوء الفهم وتباين التطبيق.

إذا طُبق هذا المبدأ على الاستخدام الإعلامي لكلمة «السردية»، نجد أن المشكلة تبدأ عندما تصبح الكلمة بديلاً عن التحليل بدلاً من أن تكون جزءًا منه. فبدلاً من فحص الوقائع، الأدلة، المصالح والظروف التاريخية، يكتفي البعض بوصف الأمر بأنه «صراع سرديات»، وكأن المصطلح وحده يكفي لتفسير التعقيدات الإنسانية والسياسية.

الأكثر خطورة هو أن الإفراط في استعمال المصطلح قد يُسهم في تسطيح النقاش العام. فالقضايا الكبيرة لا تُختزل دائمًا في روايات متنافسة؛ فبعض الوقائع تُثبتها الأدلة، وبعض النزاعات تُحسمها القوانين، وبعض الجرائم تُبرهنها القرائن، ولا يمكن الاعتماد على السرد وحده.

في مجال القضاء، لا تبحث المحكمة عن «السردية الأكثر تأثيرًا»، بل عن الحقيقة القانونية المستندة إلى الأدلة. وفي النزاعات الإدارية، لا تُقَيم الجهة الفاصلة على «السردية الأقوى إعلاميًا»، بل على المشروعية، الاختصاص، السبب والإجراءات.

إذًا، تحويل كل حدث إلى صراع بين سرديات قد يُولد وهمًا معرفيًا خطيرًا يُقوّل الحقيقة إلى نسبية دائمة، والوقائع إلى روايات متساوية القيمة، في حين أن الواقع القانوني يثبت وجود حقائق قابلة للإثبات ومسؤوليات محددة لا تُحكمها الخطابات بل البرهان.

الإنهاك الدلالي وتأثيره اللغوي

من الناحية اللغوية، يُشير بعض المختصين إلى ظاهرة «الإنهاك الدلالي» عندما تُستَخدم كلمة بشكل مفرط، فتفقد بعضًا من قوتها. وهذا ما حدث تاريخيًا مع مصطلحات كانت ذات وزن كبير ثم انخفضت مع الزمن لتصبح مجرد عبارات مستهلكة تُقال دون تدقيق.

قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن يتحوّل أي موضوع إلى «سردية»، حتى في مواقف طريفة كالإفطار في أجواء طائفية، حيث يُستحضر «سردية الفول» مقابل «سردية الحمص»، وتُمنح كل صحن بُعدًا يتجاوز قيمته الغذائية إلى هوية وذاكرة وانتماء. هنا يُظهر الاستخدام المبالغ فيه كيف يمكن لكلمة واحدة أن تُستَخدم لتبرير مواقف ثقافية وشخصية.

ما هو الموقف الصحيح؟

يتضح أن الإشكال لا يكمن في المصطلح ذاته، ولا في قيمته التحليلية عندما يُستَخدم في موضعه الصحيح، بل في التوسع المفرط لاستخدامه حتى يتحوّل من أداة فَهم إلى قالب جاهز تُصَب فيه جميع الظواهر. يصبح بذلك تفسيرًا سهلًا لكل شيء، وعدسة واحدة تُطَلّ على العالم بأكمله.

يُظهر بعض المدافعين عن انتشار «السردية» أن اللغة تتطور، وأن رفض المصطلحات الجديدة يشبه مقاومة التحول الطبيعي للغة. ورغم صحة هذا المبدأ من حيث الأصل، فإن التطور لا يتحقق بمجرد انتشار اللفظ، بل بقدرته على الحفاظ على وظيفته ودقته. ليست كل كلمة شائعة مصطلحًا ناجحًا، ولا يضمن الانتشار الحماية من النقد.

وبالتالي، لا يظل السؤال هو ما إذا كانت «السردية» مصطلحًا مشروعًا، بل ما إذا كانت لا تزال تُستَخدم في موضعها المناسب. الفرق كبير؛ فالنقد لا يهدف إلى إلغاء المصطلح، بل إلى منع تحوله إلى ملاذ لغوي يُستَعمل لتغطية التحليل الكسول.

في بعض الأحيان، قد يقع المقال الذي ينتقد التبسيط نفسه في التبسيط، حين يصف العالم كله كمعركة سرديات، متغافلاً عن أن العلاقات الدولية تُحكمها أيضًا مصالح اقتصادية، وقوانين دولية، وقدرات عسكرية، واتفاقيات وتحالفات، وموازين قوة.

الحروب الحديثة تشهد بعدًا إعلاميًا ونفسيًا، لكن اختزالها في «صناعة السردية» وحدها قد يبالغ في تقدير حجم الخطاب الإعلامي على حساب الواقع الميداني. التاريخ يثبت أن الوقائع الميدانية غالبًا ما تُطيح بالروايات، وأن النتائج العملية تفوق أحيانًا الأدوات الرمزية.

الدفاع عن المصطلحات الجديدة مشروع، لكن الأهم هو الدفاع عن الدقة. المشكلة ليست في انتشار كلمة «السردية»، بل في أن الانتشار نفسه قد يحمل بذور إضعافها إذا لم يُضبط.

المجتمعات الفكرية لا تحتاج إلى سخرية من كل جديد، ولا إلى احتفاء غير مشروط بكل مصطلح يطرأ. الطريق المتوازن هو النقد المنهجي: نرحب بالمفهوم عندما يضيف معنى، ونُعترض عليه عندما يتحول إلى قشرة لغوية خالية من المحتوى.

في النهاية، تظل كلمة «السردية» ذات قيمة معرفية عندما تُستَخدم في السياق العلمي والإعلامي الصحيح، لكنها تفقد جزءًا من هذه القيمة كلما استُخدمت كإجابة جاهزة على كل موضوع، أو كمفتاح شامل يفسّر كل حدث.

اللغة لا تموت بالسخرية، لكنها قد تُضعف بالإفراط. المصطلحات لا تفقد قيمتها بالاختلاف، بل عندما تتحول من أدوات فَهم إلى شعارات استهلاكية.

لذا، ربما لا يكون السؤال الآن ما إذا كنا نفهم السردية أم نسخر منها، بل ما إذا كنا ما زلنا نستخدم المصطلح لفهم الواقع، أم استبدلناه ببديل عن الفهم يتكرر بلهاء.

للنشر و الاعلان