عاجل
٢٨ صفر ١٤٤٨ هـ| الخميس، 13 أغسطس 2026
الرياض +18°C

هجمات مسيّرات متتالية تهز الزاوية الليبية منذ أسبوع.. الفاعل مجهول والدبيبة يتوعد بالرد

13/08/2026 13:15

منذ نحو سبعة أيام، تعيش مدينة الزاوية الواقعة غرب ليبيا حالة من التوتر والقلق المتصاعد، وذلك إثر سلسلة من الهجمات المتكررة بطائرات مسيّرة مجهولة المصدر، استهدفت منشآت حيوية وأثارت المخاوف من تبعاتها على الاستقرار الأمني والاقتصادي والنسيج الاجتماعي في المنطقة.

استهدافات يومية لمنشآت استراتيجية

فمنذ الثامن من أغسطس/ آب الجاري، تتعرض الزاوية — التي تبعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس — لهجمات شبه يومية بطائرات مسيّرة معدّة للتفجير، طالت خزانات نفطية ومحطات لتحلية المياه وتوليد الكهرباء. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الهجمات حتى الآن، فيما أكدت السلطات فتح تحقيقات لكشف مصدر المسيّرات والجهات التي خططت ونفذت هذه الاستهدافات.

في اليوم الأول، 8 أغسطس، استُهدف الخزان “1-7” في مصفاة الزاوية — أكبر مصفاة نفط في ليبيا — والمخصص لتخزين مادة “النافتا”، وهو نوع من الوقود. وأحدثت المسيّرة أضراراً جسيمة وثقبين أديا إلى تسرب جزء من المخزون دون اندلاع حريق.

وفي اليوم التالي، الأحد 9 أغسطس، تعرضت محطة تحلية مياه الزاوية، المصدر الرئيسي لمياه الشرب في المدينة، لهجوم مماثل بطائرة مسيّرة.

ويوم الاثنين 10 أغسطس، وقع الهجوم الثالث، حيث استُهدف الخزان “402-T” التابع لشركة البريقة والمخصص لتخزين بنزين السيارات، مما أدى إلى اندلاع حريق كبير وانهيار الخزان بالكامل، واستغرق إخماد النيران أكثر من يومين. وزاد من خطورة الحادث أن الخزان كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، مما أثار مخاوف من امتداد الخطر إلى المنشآت النفطية المجاورة والمناطق المحيطة.

استمرار الهجمات رغم إعادة التشغيل

ويوم الثلاثاء 11 أغسطس، تكرر المشهد في مجمع الزاوية النفطي، حيث تعرض مصنع خلط وتعبئة الزيوت لاستهداف بطائرة مسيّرة سقطت بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب المستخدمة في التصنيع. وفي اليوم نفسه، تعرض المجمع لاستهداف آخر أصاب سقف خزان الديزل رقم “4/4″، ما تسبب في اختراق الخزان واندلاع حريق تمكنت فرق الطوارئ من احتوائه بسرعة. وجاء هذا الاعتداء بعد إعادة العمل في المصفاة إثر توقفها جراء هجمات سابقة.

كما استُهدف خزان الديزل “2/4” في اليوم ذاته، ما أدى إلى حريق آخر سيطرت عليه فرق الإطفاء. وامتدت الهجمات إلى خارج أسوار المجمع النفطي، إذ تعرضت محطة الكهرباء الرئيسية في منطقة الحرشة لهجوم بطائرة مسيّرة، فيما سقطت مسيّرة أخرى قرب خزان الوقود الرئيسي المغذي للمحطة.

ويوم الأربعاء 12 أغسطس، استهدفت مسيّرة محطة كهرباء ثانية، مما أدى إلى انفجارها واحتراقها وخروجها بالكامل عن الخدمة، وانقطاع التيار الكهربائي عن معظم أحياء المدينة.

أهمية استراتيجية واقتصادية

تتمتع الزاوية بأهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، إذ تقع على الساحل وتضم مصفاة الزاوية ومنشآت نفطية أخرى. وأي توتر أمني فيها يؤثر في حركة النقل وإمدادات الوقود والطاقة في مناطق واسعة غربي ليبيا، فضلاً عن ارتباط منشآتها بصادرات البلاد إلى الخارج.

وعلى خلفية هذه التطورات، عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، يوم الاثنين 10 أغسطس، اجتماعاً موسعاً مع قيادات أمنية وعسكرية، حضره وزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان العامة صلاح الدين النمروش، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وآمر اللواء 444 قتال محمود حمزة، ورئيس جهاز الأمن العام عبد الله الطرابلسي.

وأكد الدبيبة “ضرورة التعامل بحزم مع أي تعديات أو أعمال من شأنها تهديد الأمن أو المساس بالمنشآت والمرافق الحيوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهها”، وشدد على “أهمية رفع مستوى التنسيق والجاهزية بين مختلف الأجهزة”.

تلويح بالقوة القاهرة وتحقيقات رسمية

لوّحت المؤسسة الوطنية للنفط بإعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف العمل كلياً في مجمع الزاوية النفطي إذا استمرت الاعتداءات عليه، بهدف الضغط لتوفير الحماية للمنشأة. ويُقصد بـ”القوة القاهرة” مادة في العقود — خاصة عقود توريد الغاز والنفط طويلة الأمد — تسمح للطرف المورّد بإعفاء نفسه من الالتزامات التعاقدية (مثل تسليم الشحنات في موعدها) دون دفع غرامات مالية، جراء أحداث خارجة عن سيطرته مثل الهجمات.

وعاد الدبيبة، الثلاثاء 11 أغسطس، للتعليق على الأحداث، قائلاً في بيان إنه “سيتم الوصول إلى المسؤولين عن الاعتداءات المتكررة على المنشآت النفطية بالطائرات المسيّرة”، وأضاف أن الجهات المختصة باشرت تحقيقاتها لتحديد مصدر المسيّرات وكشف من خطط وأمر ونفذ وشارك في الاستهداف. ووصف الدبيبة استهداف المنشآت النفطية والصناعية بأنه “جريمة خطيرة وتصعيد لن يمر دون رد، وتهديد مباشر لأرواح المواطنين والعاملين ولمنشآت حيوية تمثل جزءاً من أمن البلاد واقتصادها ومقدرات شعبها”.

كما دخلت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية على خط الأزمة، وشددت في بيان الأربعاء 12 أغسطس على أنها “لن تتهاون مع الاعتداءات والأعمال الإجرامية التي استهدفت المنشآت النفطية والحيوية ومقدرات الدولة الليبية في الزاوية”، وتابعت أنها تتعامل مع هذه الأعمال باعتبارها “اعتداءً مباشراً على أمن الوطن ومصالح الشعب وتهديداً خطيراً للاستقرار والسلم الاجتماعي”.

ووصفت الوزارة استهداف المنشآت النفطية والحيوية في الزاوية بأنه “عمل عدائي ممنهج تقف وراءه أطراف تدفع بدعم وتحريض من جهات خارجية”، وأكملت أن الهدف من ذلك هو “زعزعة أمن البلاد واستقرارها والتضييق على المواطن الليبي والإضرار بالاقتصاد الوطني وجر البلاد إلى مستنقع من العنف والفوضى والصراع”. وأكدت وزارة الدفاع أن أمن البلاد وثرواتها ومشاريعها الحيوية “خط أحمر”، وأنها لن تسمح بتحويل مقدرات الليبيين إلى أدوات للابتزاز أو الفوضى أو تنفيذ أجندات خارجية.

روايات متضاربة حول الفاعل

في ظل عدم تبني أي جهة الهجمات، ظهرت روايات عدة متداولة في الشارع الليبي بشأن الجهة المسؤولة، بحسب مراسل الأناضول. وتتهم إحدى الروايات حكومة الوحدة الوطنية بالوقوف وراء الاستهدافات، عقاباً لأهالي الزاوية على خلفية احتجاجات شهدتها المدينة قبل فترة قصيرة وطالبت برحيل الحكومة. ففي 27 يوليو/ تموز الماضي، أطلق أهالي الزاوية — ممثلين في حراك “أبناء الزاوية” — تحركاً مدنياً تضمن تعليق العمل في مؤسسات ومرافق عامة داخل المدينة، بينها البلدية والجهات الخدمية، مع استثناء المستشفيات والمراكز الطبية.

غير أن هذه الرواية تواجه تساؤلات مرتبطة بطبيعة المنشآت المستهدفة وأهميتها للحكومة نفسها. فمجمع الزاوية النفطي يؤمن إمدادات الطاقة لمعظم مناطق غربي البلاد، ومن بينها العاصمة طرابلس، بما في ذلك بنزين السيارات ووقود توليد الكهرباء وغاز الطهي، ما يعني أن تضرره سيضع الحكومة أمام تداعيات مباشرة. كما يمثل المجمع منفذاً للصادرات إلى الخارج وأحد مصادر إيرادات الدولة.

وتتنازع حكومتان على السلطة في ليبيا: الأولى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة ومقرها طرابلس، وتدير مناطق غربي البلاد؛ والثانية عيّنها مجلس النواب مطلع 2022 ويرأسها حالياً أسامة حماد، ومقرها مدينة بنغازي، وتدير شرقي البلاد ومعظم مناطق الجنوب. ويُطرح أيضاً ضمن هذه القراءة أن إيطاليا مستفيد رئيسي من صادرات الطاقة الليبية، وهي حليف مهم لحكومة الوحدة، مما يضع علامات استفهام بشأن فرضية إقدام الحكومة على الإضرار بهذه المصالح لمعاقبة سكان الزاوية.

كما تُتداول رواية أخرى تتهم مجموعات مسلحة تتبع اسمياً حكومة الوحدة بالوقوف وراء الهجمات، وتستند إلى أن المصفاة نفسها تؤمنها مجموعات مسلحة تعد منافسة لمجموعات أخرى في المدينة، وسبق أن دخلت تلك الأطراف أكثر من مرة في اشتباكات مسلحة. وكان أحدث تلك الاشتباكات في 4 أغسطس/ آب الجاري، وأسفر عن قتلى وجرحى وفرار سجناء. كما تشهد المدينة منذ أكثر من عام حوادث اغتيال متكررة، في سياق يبدو مرتبطاً بتصفية حسابات بين مجموعات مسلحة متنافسة.

ومنذ سنوات، تبذل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهوداً لمعالجة خلافات مزمنة بين مؤسسات ليبية تحول دون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في البلد الغني بالنفط والغاز. ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات إلى إنهاء الصراعات السياسية والمسلحة والفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969-2011).