أكد صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن الهيكل العالمي الذي بُني عقب الحرب العالمية الثانية يواجه اليوم أزمة شديدة من التصدّع والانهيار. وحذر من أن عودة الدول إلى منطق موازين القوى وصراع الكبار لم تعد خيارًا واقعيًا، مؤكدًا أن البديل الوحيد يكمن في إعادة صياغة النظام الدولي ليصبح أكثر عدلاً وشمولاً ويعكس الواقع الدولي المتعدد الأقطاب.
انتقادات للهيكل الحالي وأثره على المنطقة
وصف سموه المنطقة العربية والإسلامية بأنها الأكثر تضرراً من جور هذا النظام، مشيراً إلى أن السلام والاستقرار العالميين لا يتحققان إلا عبر احترام القانون الدولي والالتزام بالعقل والأخلاق والإنصاف. وأوضح أن النظام الحالي يترك القوة مركزة في يد مركز واحد، بينما تتطلب الواقع الحاجة إلى توزيع السلطة على مراكز متعددة.
الكلمة في أكسفورد ودعوة لإصلاح شامل
ألقى سموه كلمة بعنوان «النظام العالمي اليوم: رؤية إسلامية» في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية في العاشر من يونيو 2026، بدعوة من مدير المركز الدكتور فرحان نظامي. وأشاد سموه بدور المركز الطويل الذي يمتد لأربعة عقود في تعزيز مكانته كأحد أبرز مؤسسات الدراسات الإسلامية عالمياً. واستذكر في كلمته تلك الملاحظة التي أدلى بها جلالة الملك تشارلز الثالث عام 1993م حين كان ولياً للعهد، مؤكداً أن الروابط بين العالمين الإسلامي والغربي باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الوضع الاستراتيجي والإنذارات الدولية
وندد سموه بالبيئة الاستراتيجية الحالية التي وصفها بأنها مضطربة وغير مستقرة، سيطرت عليها النزاعات والحروب وتجاهل القانون الدولي ومؤسساته. استشهد بفيلسوفه البريطاني توماس هوبز الذي صوّر حالة الطبيعة بأنها «حرب الكل ضد الكل». وأشار إلى تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن إبدال «قوة القانون» بـ«قانون القوة» سيقوض مصداقية النظام القائم على القواعد ويزيد معاناة الإنسان.
كما أشار إلى تصريحات رئيس وزراء كندا مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي هذا العام، حيث وصف اللحظة الراهنة بأنها «تمزّق» للنظام الدولي القائم على القواعد، وليس مجرد مرحلة انتقالية.
تاريخ النظام الدولي وتطوره
استعرض سموه مسار النظام الدولي منذ تأسيسه عام 1945م، مشيراً إلى نجاحه في تجنيب العالم حروب القوى الكبرى، ومساهمته في تحرير شعوب كثيرة من الاستعمار، بما فيها دول إسلامية. وأبرز أن هذا النظام أسس مبادئ المساواة بين الدول، حق تقرير المصير، وسيادة القانون الدولي. إلا أن سموه أشار إلى تحوّله من نظام ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، ثم إلى ما وصفه بـ«الأحادية الانفرادية» التي تتجاهل قواعد الانتماء إلى نظام دولي.
وأوضح أن الأمل كان يتركز في أن يقود هذا التحول إلى نظام أكثر إنصافاً يجسد المبادئ التي روجت لها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، مثل سيادة القانون وحق تقرير المصير وحقوق الإنسان. إلا أن صعود النزعات القومية والإرهاب العالمي، إلى جانب أحداث 11 سبتمبر والحربين على أفغانستان والعراق، حول هذا الحلم إلى واقعٍ متشوّش.
وأشار إلى أن الحروب التي شهدتها العراق وأفغانستان، ثم الصراعات في غزة ولبنان وإيران، دفنت فكرة الأحادية القطبية، لكنها لم تُسقِط النزعة الانفرادية في قضايا السلم والأمن. وشدد على أن الرجوع إلى منطق القوة وحروب كبرى ليس حلاً، وأن العالم لا يحتاج إلى نزاع عالمي جديد لخلق نظام دولي جديد.
دعوة لإعادة هيكلة شاملة
أوضح سموه أن البديل القابل للبقاء هو إعادة هيكلة النظام الدولي ليصبح عدلاً وشاملاً ويعكس الواقع الدولي المتنوع، مستفسراً عن كيفية قبول غياب تمثيل فعال لمليار ونصف المليار مسلم، وأكثر من مليار هندي، قرابة المليار أفريقي، ونصف مليار من أمريكا اللاتينية في صدارة هذا النظام.
وأكد أن المنطقة الإسلامية، وعلى رأسها العالم العربي، هي الأكثر تضرراً من جور النظام في جميع مراحله، معتبرًا إياها المذبح الذي يُضحى على أعتابه بمبادئ النظام. وأشار إلى أن الفلسطينيين حُرموا من وطنهم وحق تقرير المصير بسبب نفس المبادئ، موضحاً أن حق النقض (الفيتو) كان عائقاً أمام الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مجلس الأمن، وأن الدعم الأوروبي والأمريكي المستمر لإسرائيل هو مصدر كل الشرور في الشرق الأوسط.
اقتراحات إصلاحية وإشارات دينية
استذكر سموه قول خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، الذي أشار إلى عجز المجتمع الدولي عن وقف نزيف الدم في سوريا، مؤكدًا أن الثقة بالأمم المتحدة قد اهتزت، ولا يمكن لأي دولة، مهما عظمت قوتها، أن تتحكم في العالم إلا بالعقل والأخلاق والإنصاف. ودعا إلى منح الجمعية العامة صلاحيات تشريعية دولية لا تخضع للفيتو، مقترحًا بدء إصلاح نظام الفيتو بحيث لا يُنقض القرارات التنفيذية المستندة إلى قرارات سابقة، كما في القرارين 242 و338 المتعلقين بالاحتلال الإسرائيلي.
تطرق سموه إلى التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واصفًا إياه تجليًا خطيرًا لاستخدام غير مقيد للوسائل العسكرية، ومُعَبِّرًا عن ثلاث رؤى نهائية للعالم: عقيدة انتظار الإمام الغائب لدى إيران، وطموح إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات لدى الإسرائيليين، ورغبة إعادة بناء الهيكل في القدس لدى الصهيونية المسيحية.
وأشار إلى نصيحة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتجنّب الخيار العسكري منذ البداية، وهو ما تبنته معظم قادة دول الخليج، إلا أن دول الخليج أصبحت هدفًا لضربات انتقامية إيرانية رغم امتناعها عن الرد بالمثل، مؤكدًا أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر.
ختام الرسالة ودعوة إلى الوحدة
اختتم سموه كلمته بالتأكيد على أن وجود نظام دولي فعال قائم على القواعد كان سيمنع هذا الصراع وما سبقه من نزاعات منذ تأسيس الأمم المتحدة قبل ثمانيةٍ وعشرين عامًا. وأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار إلا بالالتزام بالقانون الدولي والأخلاق. واختتم حديثه بآية قرآنية: “وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (آل عمران: 46).






