شهدت منطقة أهرامات الجيزة، مساء السبت، واحدة من أبرز ليالي الملاكمة في التاريخ الحديث، وذلك بحضور معالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه ورئيس الاتحاد السعودي للملاكمة. وجاءت فعاليات “Glory in Giza” في أجواء جمعت بين عظمة الموقع الأثري وقوة النزالات، ضمن حدث عالمي برعاية “موسم الرياض” وتنظيم مشترك من “Matchroom” و”The Ring”. وتوّج الأوكراني أولكسندر أوسيك بانتصار كبير أمام الهولندي ريكو فيرهوفن، محققاً لقب WBC في الوزن الثقيل بعد الضربة القاضية الفنية في الجولة الحادية عشرة.
نزال الفراعنة والضربة القاضية
انطلقت المواجهة بدخول استثنائي يعكس مكانة الحدث، حيث ظهر الملاكمان بزي مستوحى من الحضارة الفرعونية، في مشهد جسّد خصوصية المكان ورمزية الأمسية. وعُزف النشيد الوطني المصري تبعه النشيدان الهولندي والأوكراني.
في الجولة الأولى، اعتمد ريكو فيرهوفن على الحركة والضغط المبكر، ونجح في إصابة جسد أوسيك، بينما فضّل الأخير قراءة أسلوب منافسه. وفي الجولة الثانية، بدأ أوسيك بالدخول في أجواء النزال عبر اللكمات المستقيمة والضربات الصاعدة، معيداً التوازن مبكراً.
الجولة الثالثة شهدت استعادة فيرهوفن للأفضلية بضغطه وحركته المزعجة، موجهاً لكمات واضحة أربكت أوسيك. لكن أوسيك رد في الجولة الرابعة بضربات صاعدة قوية هزّت فيرهوفن، ليعود النزال إلى التعادل. وتفوق أوسيك في الجولة الخامسة مستغلاً تراجع دقة منافسه، وضغط عليه قرب الحبال بلكمات نظيفة. وجاءت الجولة السادسة متقاربة وحسمها فيرهوفن بعد اختراق دفاع أوسيك بلكمات مؤثرة.
في الجولتين السابعة والثامنة، واصل فيرهوفن أداءه القوي مفاجئاً الجميع، مستفيداً من الحركة والضغط واللكمات المباشرة، وأربك أوسيك ومنعه من فرض إيقاعه. لكن أوسيك عاد في الجولة التاسعة مستغلاً اندفاع فيرهوفن، فأصابه بيسارية وضربة صاعدة، ثم حسم الجولة العاشرة بعد ظهور علامات الإرهاق على خصمه، لتتعادل النتيجة الإجمالية.
في الجولة الحادية عشرة، رفع أوسيك وتيرة هجومه بشكل واضح، ووجّه ضربات صاعدة ويساريات قوية، حتى أسقط فيرهوفن بضربة صاعدة مؤثرة. ورغم نهوض ريكو، واصل أوسيك الضغط حتى أوقف الحكم النزال، ليحسم أوسيك المواجهة ويحافظ على ألقابه الثلاثة في الوزن الثقيل. وفي بادرة روح رياضية، ذهب أوسيك ليواسي خصمه ويقبل رأسه معبراً عن تقديره.
تصريحات وصخب ما بعد النزال
قال أوسيك عقب الفوز: “كان النزال صعباً. ريكو كان مستعداً بشكل جيد، وكنت أعرف ذلك، لكنه كان نزالاً جيداً”. وبعد دخوله إلى الحلبة، وجه الملاكم الألماني أغيت كابايل حديثه إلى أوسيك: “تهانينا يا ألكسندر على هذا الأداء. أنت تعرف أنني انتظرت طويلاً هذه اللحظة، وأنا جاهز. أعتقد أن ألمانيا جاهزة لهذا النزال، وكل الجماهير الألمانية تنتظره، وهناك أيضاً كثير من الجماهير الكردية والفرنسية في ألمانيا. لنقم بهذا النزال في ملعب، أعتقد أن الجماهير تريد هذه المواجهة”.
ورد أوسيك: “إذا كان الأمر بيد المنظمة، فلا مشكلة، أنا جاهز”. وعند سؤاله عن رغبته في النزال المعاد أو مواجهة كابايل، قال بثقة: “أستطيع أن ألاكم الاثنين”.
من جانبه، تحدث ريكو فيرهوفن عن إيقاف النزال قبل خمس ثوانٍ فقط من نهاية الجولة الحادية عشرة: “نعم، بالطبع كنت منزعجاً. أعتقد أن الإيقاف كان مبكراً، لكن في النهاية الأمر ليس بيدي. أرى أنه كان مبكراً بعض الشيء، وأعتقد أن الحكم كان يعرف أننا كنا قريبين جداً من نهاية الجولة، فإما أن يتركني أقاتل حتى النهاية أو يترك الجرس ينهي الجولة. هذا ما كنت أتمناه، لكن القرار ليس بيدي”.
وأضاف: “أنا ممتن جداً لهذه الفرصة، وممتن لأن مجلس الملاكمة العالمي WBC منحني هذه الفرصة. معاليه قال لي إنه يريد نزالاً معاداً، وإن النزال كان رائعاً، وإنني قدمت أداءً كبيراً. لكنني أعرف أيضاً أن هناك مقاتلاً آخر ينتظر فرصته، ولذلك الأمر لا يعود لي، بل يعود إلى المنظمة. سنرى ماذا سيحدث”. وتابع: “كنت قريباً جداً. تمنيت أن أُترك إما لأقاتل حتى النهاية أو أن ندخل الجولة الثانية عشرة. شعرت أن النزال كان متقارباً جداً في بطاقات الحكام. أنا فخور جداً، وممتن جداً لكل من حضر وساندني”.
أما معالي المستشار تركي آل الشيخ فكان حاضراً في النقاش حول مستقبل النزالات، وقال “بما معناه” إن هناك أكثر من خيار مطروح، وإن كابايل في الصف ويستحق فرصته، وفي الوقت نفسه هناك رغبة في رؤية النزال المعاد. وأكد أن الجماهير تريد مشاهدة هذه المواجهات الكبرى، مشيراً إلى أن الخيارات مفتوحة، سواء بمواجهة كابايل أو إعادة النزال في هولندا.
بطاقة النزالات التمهيدية والرئيسية
افتتح المصري عمر هيكل أمسيته الاحترافية بصورة مثالية، بعد أن أوقف التنزاني مايكل كاليالا في الجولة الثالثة، مانحاً الجمهور المصري بداية قوية. وتواصل الحضور المصري عبر محمد مبروك يحيى، الذي حقق فوزاً مستحقاً على الأوغندي علي سيرونكوما بقرار إجماعي، بعد نزال أداره بثبات واستفاد من خصم نقطة من منافسه بسبب التعلق في الجولة الثالثة.
خطف السعودي سلطان المحمد لحظة مثيرة، بعد أن أنهى نزاله أمام الإندونيسي ديدي إمبراكس بضربة قاضية خلال 72 ثانية فقط، رافعاً رصيده إلى أربعة انتصارات متتالية. وفي وزن الكروزرويت، أوقف الأمريكي جامار تالي اندفاعة المصري باسم ممدوح، بعد فوزه عليه بالضربة القاضية في آخر الجولة الثانية، محققاً مفاجأة للجمهور المحلي. وفي وزن الثقيل الخفيف، اختتم الفرنسي بنجامين منديز البطاقة التمهيدية بفوز قوي على الأوكراني دانيال لابان بالضربة الفنية القاضية في الجولة الرابعة، بعد أن أسقطه ثلاث مرات، ملحقاً به أول خسارة في مسيرته.
مع انطلاق البطاقة الرئيسية، أكدت اليابانية ميزوكي هيروتا مكانتها في وزن السوبر فلاي، بعد أن حافظت على لقبي WBO وThe Ring بفوزها على المصرية ماي سليمان بقرار إجماعي، في نزال سيطرت عليه منذ الجرس الأول. وفجّر الكوبي فرانك سانشيز واحدة من أقوى لحظات الأمسية عندما أسقط الأمريكي ريتشارد توريس جونيور بضربة قاضية في الثانية 55 من الجولة الثانية، بلكمة صاعدة أنهت السجل الخالي من الهزائم لتوريس، وأعادت سانشيز بقوة إلى واجهة سباق الوزن الثقيل.
جاء الإنجليزي جاك كاترال ليصنع إحدى أبرز قصص الليلة، بعد أن تجاوز الأوزبكي شخرام غياسوف بقرار إجماعي بعد 12 جولة، منتزعاً لقب WBA في وزن الويلتر بعد أداء فني متماسك. دخل كاترال الحلبة محملاً بثقل الفرص المؤجلة، وخرج بطلاً للعالم، بعد أن فرض أسلوبه ونجح في الحد من خطورة غياسوف.
وقبيل النزال الرئيسي، أكمل البريطاني حمزة شيراز مشهد التتويجات الكبرى، بعد أن حسم مواجهته أمام الألماني آليم بيغيتش بالضربة القاضية، متوجاً بلقب WBO في وزن السوبر ميدل. وجاء انتصاره بضربة قاضية على الجسد أنهت النزال مبكراً، ليؤكد حضوره كأحد أبرز الأسماء الصاعدة. وقال شيراز بعد الانتصار إنه يسعى لجمع كل الأحزمة، وإن الجماهير قد تراه في مثل هذا الوقت من العام المقبل بطلاً موحداً في وزن 160 رطلاً، مشيراً إلى أن مواجهة كانيلو ستكون شرفاً كبيراً، لكنه شدد على ثقته بقدرته على الفوز إذا أتيحت الفرصة.
يؤكد “Glory in Giza” مكانته كأحد أبرز الأحداث الرياضية العالمية لهذا العام، بعد أن جمع بين قوة البطاقة القتالية، وحضور الأسماء الكبرى، وروعة المشهد التاريخي عند سفح الأهرامات، في ليلة تحوّلت فيها الجيزة إلى منصة عالمية للملاكمة.






