عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

دمار شامل يطمس معالم قرى جنوب لبنان ويهدد بإشعال نزاعات على الملكية

25/07/2026 03:01

لم تقتصر صدمة سكان البلدات الجنوبية لدى عودتهم لتفقد قراهم بعد شهور طويلة قضوها في النزوح على هول ما لحق بالمنازل والأحياء من دمار، بل امتدت إلى ما هو أعمق وأكثر تعقيداً.

وأفاد عدد كبير من هؤلاء السكان بأنهم باتوا عاجزين عن تحديد مواقع عقاراتهم أو التعرف على حدود الأراضي التي ورثوها عن أجدادهم، بعد أن غيّر القصف والتجريف ملامح قراهم بشكل شبه تام.

معالم ذهبت وحدود تلاشت

وقالت سهى عبدالله، من بلدة الخيام، في حديث لموقع «سكاي نيوز عربية»: «لم أعد أتعرف على منزل جدي أو المنزل الذي يليه. لم يعد لدينا ما يثبت الحدود بعد أن غادرنا على عجل دون أن نأخذ معنا الأوراق أو السجلات العقارية التي تثبت ملكياتنا».

أما غادة، من بلدة دبين، فاستعادت صورة الأرض كما كانت قبل الحرب، موضحة: «كان منزل جدي هناك على تلة بجوار شجرة الصنوبر، وكانت عائلة عياش تملك الأراضي المجاورة. اليوم لا نعرف أين أصبحت الحدود. قُتل جدي، وتوفيت جدتي، واستشهد خالي، وضاعت السجلات، وحتى شجرة الصنوبر التي كانت تشهد على المكان لم نجد لها أثراً».

تتكرر القصة نفسها في أكثر من قرية حدودية، وسط حديث عن خلافات بين أصحاب المنازل والعقارات، إذ تحولت الأراضي بعد الحرب إلى مساحات متشابهة بفعل اختفاء الجدران الحجرية والأشجار المعمرة والطرق الترابية التي كانت تشكل علامات يعتمد عليها الأهالي لمعرفة ممتلكاتهم.

زوطر الغربية… صدمة العودة

تحدث عدد من أبناء زوطر الغربية إلى «سكاي نيوز عربية»، مفضلين عدم الكشف عن هوياتهم، عن شعور بالضياع بعد دخول البلدة، مؤكدين أنهم وقفوا أمام مساحات مدمرة دون أن يستطيعوا معرفة أين تبدأ ممتلكاتهم وأين تنتهي.

وقال أحدهم: «كنت أحفظ الطريق إلى أرضي خطوة خطوة، لكن اليوم لا أعرف من أين أدخل ولا أين تقع حدودها. كل شيء تبدل».

وأضاف آخر من البلدة: «لم يبق جدار أو شجرة أو أي معلم نستدل به. حتى الطرق تغيرت، وأصبح من المستحيل الجزم بمكان أي عقار».

وأكد سكان آخرون أن المشكلة لا تقتصر على زوطر الغربية، التي دخلها أهلها وسط مشاهد صادمة، بل ظهرت أيضاً في حولا وكفركلا، وقبلها في مارون الراس والعديسة، حيث أظهرت الصور التي وصلت إلى الأهالي حجم التجريف وتغير معالم القرى، مما جعل كثيرين غير قادرين على التعرف إلى مواقع منازلهم أو أراضيهم.

كما تظهر صور الأقمار الاصطناعية في بنت جبيل حجم التبدلات التي طالت الأحياء والحقول والطرقات.

ونقل أبناء بلدات في محيط العديسة المخاوف نفسها، مع الحديث عن اختفاء الحدود الطبيعية التي كانت تفصل بين العقارات، سواء كانت أشجاراً معمرة أو سلاسل حجرية أو ممرات زراعية يعرفها السكان منذ عشرات السنين.

وثائق تحت الأنقاض

لا تقتصر مشكلة أهالي البلدات الجنوبية على ضياع المعالم، بل تتفاقم مع فقدان عدد كبير منهم لوثائقهم العقارية، بعدما اضطروا إلى النزوح وتركها في منازلهم التي دُمّرت أو دفنت تحت الأنقاض.

كما تضررت سجلات لدى بعض البلديات ومكاتب المخاتير، الأمر الذي يثير مخاوف من نزاعات عقارية مع بدء مرحلة إعادة الإعمار.

وأوضحت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية إنديرا الزهيري، في حديث لموقع «سكاي نيوز عربية»، أن العدوان لم يدمّر المباني فحسب، بل غيّر معالم الأراضي نفسها.

وأشارت إلى أن التمييز بين الأراضي الممسوحة وغير الممسوحة سيكون أساسياً لمعالجة هذا الملف.

وأكدت أن «الأراضي الممسوحة تبقى محفوظة قانونياً في السجل العقاري، لأن ملكيتها مثبتة بأرقام عقارية رسمية، فيما تواجه الأراضي غير الممسوحة تحديات أكبر إذا فقد أصحابها مستندات الملكية أو تضررت سجلات المخاتير».

وتابعت الزهيري قائلة إن «عملية إزالة الردميات وإعادة المسح العقاري ستحتاج إلى جهود تقنية وقانونية كبيرة، بالاستناد إلى خرائط الجيش اللبناني وصور الأقمار الاصطناعية وفرق المساحة، إضافة إلى شهادات الأهالي والمخاتير لإعادة تثبيت حدود العقارات».

وحذرت من أن أي إعادة إعمار من دون معالجة دقيقة لهذا الملف «قد تؤدي إلى نزاعات قانونية طويلة».

من جهته، قال رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«سكاي نيوز عربية»: «صدمنا بالمشهد. ما في بيت معروف حدوده. الناس أصيبت بحالة من الصدمة. كنا نتوقع دماراً، لكن لم نتوقع أن تتغير معالم الطرق والبلدة بهذا الشكل».

ويؤكد مسؤولون محليون أن إزالة آلاف الأطنان من الردميات ستكون الخطوة الأولى قبل أي عملية إعادة تحديد للحدود العقارية، لأن الأنقاض تخفي معالم كانت تشكل المرجع الأساسي للأهالي في معرفة ممتلكاتهم.

تذمر صامت وخوف من الكلام

روى مختار سابق لبلدة كفركلا، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالة من التذمر تسود بين الأهالي، لكنها لا تظهر إلى العلن، مضيفاً أن «الناس خائفة، والحزن يسيطر على الجميع، لأن ماضياً كاملاً اختفى. لم تعد هناك صورة للقرية التي عرفناها».

وشدد على أن «الجميع ينتظر العودة الكاملة، ولكل حادث حديث. لكن طالما أن هناك من يخشى التحدث بصراحة، فإن كثيرين يفضلون الصمت في هذه المرحلة».

ووفق متابعين، فإن هذا الواقع يفتح الباب أمام تحديات قانونية واجتماعية كبيرة، خصوصاً مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار، في ظل مخاوف من تداخل الملكيات وصعوبة إثبات الحقوق، ولا سيما في الأراضي غير الممسوحة، حيث يعتمد كثير من الأهالي على أوراق عرفية أو سجلات محلية فقد قسم منها خلال الحرب.

ولفت عدد من السكان إلى غياب أي حضور فعّال لحزب الله في متابعة هذه الإشكاليات العقارية أو حتى السؤال عن مصير المواطنين أو مواكبة الأهالي في معالجة تداعياتها، رغم اتساع الأزمة في عدد من البلدات الجنوبية، معتبرين أن الأولوية اليوم بالنسبة إليهم ليست فقط إعادة بناء المنازل، بل أيضاً استعادة الحق في الأرض، ومعرفة أين تبدأ حدودها وأين تنتهي، بعدما مسح الدمار معالم قرى بكاملها، وترك آلاف العائلات أمام معركة جديدة عنوانها إثبات ملكية ما بقي من ذاكرتها.