الهجمات الإرهابية الأخيرة التي نفذتها ميليشيا الحوثي المدعومة من طهران ضد السعودية، لم تقتصر آثارها على الجانب العسكري فحسب، بل كشفت عن حقيقة استراتيجية بالغة الدلالة؛ مفادها أن أمن المملكة تجاوز كونه مسألة وطنية أو إقليمية ليصبح ركيزة أساسية في بنية الأمن والاستقرار العالمي. لذلك فإن القول بأن “من يهاجم السعودية يهاجم العالم” ليس تعبيراً وطنياً عاطفياً، بل هو قراءة موضوعية لحجم المصالح الدولية المتشابكة مع استقرار المملكة.
الموقع الجغرافي والممرات الحيوية
تتمتع المملكة بموقع جغرافي فريد يربط بين ثلاث قارات، وتشرف على كل من البحر الأحمر والخليج العربي، مما يضعها بالقرب من أهم الممرات البحرية العالمية. وتشكل أراضيها مجالاً حيوياً لحركة الطيران التجاري وسلاسل الإمداد الدولية، إلى جانب امتلاكها عمقاً استراتيجياً واسعاً. لذا فإن استهداف مطاراتها وموانئها ومنشآتها الحيوية يهدد مصالح دول وشعوب متعددة، ولا تقتصر تداعياته على حدودها الوطنية.
الثقل الاقتصادي وأمن الطاقة
تعد السعودية ركيزة أساسية لاستقرار أسواق الطاقة حول العالم، وشريكاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً للقوى الكبرى. وتزداد هذه الأهمية مع تنوع قاعدتها الاقتصادية، وثرواتها المعدنية، ومشروعاتها الصناعية واللوجستية الكبرى، والتحولات الهيكلية التي تشهدها عبر رؤية 2030. وأي اضطراب في أمن المملكة يمكن أن ينعكس سلباً على أسعار الطاقة والتجارة العالمية والاستثمارات والاقتصاد الدولي برمته.
المصداقية الدولية والمكانة الإسلامية
رسخت الرياض مكانتها الدولية بفضل سياسة خارجية متزنة تقوم على احترام السيادة الوطنية، ودعم الحلول السياسية، وبناء الشراكات، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن. وقد أكسبها هذا النهج مصداقية واسعة وثقة متزايدة، وهو ما يفسر حالة التضامن العربي والإسلامي والدولي الواسعة معها في مواجهة الاعتداءات الأخيرة. كما أن المملكة تحتضن الحرمين الشريفين، وتشرف على خدمة ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً، مما يجعل أمنها واستقرارها مصلحة لجميع المسلمين في العالم. وأي تهديد لأمن المملكة يحمل أبعاداً تتجاوز السياسة والاقتصاد لتطال مشاعر وحقوق المسلمين في أداء شعائرهم بأمن وطمأنينة.
الإرهاب والتضامن الدولي
الهجمات الحوثية وما يرتبط بها من دعم إقليمي تؤكد خطورة توظيف الميليشيات المسلحة لزعزعة أمن الدول واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية. فهذه التنظيمات لا تستهدف المملكة وحدها، بل تهدد الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي، وتضاعف معاناة الشعب اليمني. وهنا يظهر الفرق بين دولة تكرس جهودها لبناء الاستقرار وحماية المصالح، وميليشيات تتخذ التخريب والابتزاز وسيلة لتحقيق أجنداتها. ولم يكن مستغرباً أن تتوالى مواقف التضامن والإدانة من الدول العربية والإسلامية والقوى الدولية، وأن يتعزز التعاون الدفاعي مع المملكة، لأن حماية أمنها ترتبط بمصالح مشتركة واستقرار عالمي. مع ذلك، تظل الركيزة الأساسية لأمن المملكة قوتها العسكرية والأمنية، وتماسك شعبها، وحكمة قيادتها، فيما تمثل الشراكات الدولية عاملاً داعماً لقدراتها الوطنية.
وختاماً، أثبتت الأحداث الأخيرة أن السعودية قوة استقرار ذات تأثير عالمي، وأن الاعتداء عليها لا يهدد سيادتها وحدها، بل يمس مصالح دول وشعوب عديدة. ومن يتهاون مع هذه الاعتداءات أو يبررها إنما يفسح المجال لمزيد من الفوضى والإرهاب. إن من يهاجم السعودية لا يعتدي على دولة فحسب، بل يهدد أمن العالم ومصالحه واستقراره وازدهاره. وستبقى المملكة، بإذن الله، قوية بقيادتها، عزيزة بشعبها، راسخة بمؤسساتها، وشريكاً موثوقاً في صناعة الأمن والاستقرار.






