عاجل
١٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأربعاء، 27 مايو 2026
الرياض +18°C

مفاوضات واشنطن وطهران: صراع على صياغة شروط النهاية لا إعلان النصر

ليس الجدل الأميركي الدائر بشأن الحرب مع إيران مجرد خلاف حزبي بين البيت الأبيض وخصومه الديمقراطيين، ولا يقتصر على انقسام جمهوري بين صقور يخشون “صفقة سيئة” ورئيس يسعى إلى تسويق انتصار. ففي جوهر الأمر، هو صراع على تعريف النتيجة النهائية لأي اتفاق محتمل.

فهل يكفي أن يمنع الرئيس دونالد ترمب إيران من امتلاك سلاح نووي وأن يعيد فتح مضيق هرمز ليعلن النصر، أم أن أي إفراج عن أموال مجمدة، أو قبول بدور إيراني في تأمين المضيق، سوف يُستخدم لاحقاً لتصوير الاتفاق بوصفه هزيمة سياسية مؤجلة؟

هنا يتغذى خطاب المعارضين من فجوة واضحة بين لغة ترمب الواثقة، التي تتحدث عن اتفاق “عظيم وذي معنى” أو “لا اتفاق”، وبين واقع تفاوضي شديد التعقيد، لا تزال فيه قضايا هرمز واليورانيوم والعقوبات ولبنان عالقة على طاولة الوسطاء.

مسودة مثيرة للجدل ونفي من البيت الأبيض

زادت آخر التسريبات والتقارير الالتباس بدلاً من تبديده. فقد نقلت وكالة “رويترز” عن التلفزيون الإيراني أن مسودة إطار أولية تتحدث عن إعادة حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي وانسحاب قوات أميركية من محيط إيران، مع إدارة إيرانية-عُمانية لحركة السفن التجارية. وتنص المسودة، إذا اكتمل الاتفاق خلال 60 يوماً، على تحويله لاحقاً إلى صيغة ملزمة في مجلس الأمن.

لكن البيت الأبيض نفى صحة تقرير التلفزيون الإيراني، وقال إن مذكرة التفاهم المشار إليها “مختلقة بالكامل”. وفي المقابل، تؤكد تقارير أميركية أن الملاحة في هرمز لا تزال شديدة التقييد، وأن استعادة الثقة التجارية قد تستغرق أشهراً، حتى إذا صدر إعلان سياسي قريب.

هل خسر ترمب الحرب؟

يصور خصوم ترمب الحرب بوصفها خسارة محتملة، لأنهم يقيسون نتائجها لا بما دمرته الضربات الأميركية-الإسرائيلية من قدرات إيرانية، بل بما قد تحصل عليه طهران على طاولة التفاوض. فإذا انتهت الحرب بالإفراج عن مليارات الدولارات، أو بتخفيف العقوبات، أو باعتراف عملي بدور إيراني في تنظيم المرور عبر مضيق هرمز، فسيقول منتقدوه إن إيران انتزعت ثمناً سياسياً واقتصادياً من واشنطن، بعدما عجزت الأخيرة عن فرض استسلام واضح. هذا هو جوهر المخاوف التي عبر عنها بعض الجمهوريين، بينهم السيناتور تيد كروز، من سيناريو تحصل فيه إيران على أموال، وتحتفظ بهامش تخصيب، وبنفوذ في المضيق.

لكن هذه القراءة تختزل المشهد. فإيران لا تدخل المفاوضات من موقع مريح؛ فهي تريد الأموال المجمدة، وتسعى إلى استعادة الوصول إلى أسواق النفط، وتحتاج إلى تخفيف الضغط عن اقتصاد تعرض للحصار والضربات والتوتر الداخلي. وأشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن طهران تسعى إلى هدفين متلازمين: إنقاذ اقتصادي من دون منح ترمب نصراً واضحاً، والتركيز على جزء من أصول مجمدة قد تصل إلى 100 مليار دولار، مع بحث إفراج مبكر عن نحو 12 مليار دولار من أصل 24 ملياراً مطروحة في مرحلة أولى.

ورقة التفاهم: إنجاز أم مصيدة؟

يعكس التوصل إلى مذكرة تفاهم، لا إلى اتفاق شامل، حدود الممكن حالياً. فالمذكرة قد توقف النار وتفتح مضيق هرمز وتؤجل الملفات الأثقل، لكنها لا تحلها نهائياً. لذلك تبدو “ورقة التفاهم” جسراً هشاً بين الحرب والاتفاق: ضرورية لتخفيف التصعيد، لكنها قابلة أيضاً لأن تتحول إلى ساحة ابتزاز متبادل.

ويختصر باراك بارفي، الباحث في مركز “نيو أميركا”، في حديث مع صحيفة “الشرق الأوسط”، المعضلة التفاوضية بالقول إن التفاوض مع الإيرانيين “يشبه شراء سجادة في البازار”، إذ يظهر مطلب جديد عند كل منعطف، وكأن مسائل سبق حلها تعود إلى نقطة الصفر. ويضيف أن نزعة ترمب إلى إعلان تطورات لا تطابق دائماً الواقع تجبر المراقبين على محاولة استنتاج الحالة الفعلية للمفاوضات، فيما يجعل تعدد الأصوات الإيرانية من الصعب معرفة من يقرر وماذا يريد فعلاً. لذلك، يرى بارفي أن مجرد الوصول إلى أي مذكرة تفاهم هو “مهمة هرقلية وبيزنطية” تتطلب جهداً استثنائياً.

رهانات متقاطعة وملفات عالقة

بحسب محللين، تراهن طهران على ثلاثة عناصر: الزمن، والأسعار، والتعدد الداخلي الأميركي. فإطالة التفاوض تبقي مضيق هرمز ورقة ضغط، وتذبذب أسعار الطاقة يضع البيت الأبيض تحت ضغط الناخبين، والانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين الصقور يمنحها أملاً في انتزاع شروط أفضل. وعكست تقارير السوق حساسية هذا العامل؛ فقد تراجعت أسعار النفط بعدما خفّض “الحرس الثوري” الإيراني احتمال تجدد الحرب، إذ هبط خام برنت إلى نحو 92.77 دولار، بما يؤكد أن مجرد إشارة تفاوضية قادرة على تحريك الاقتصاد والسياسة معاً.

لكن هذا الرهان ليس مضموناً، لأن ترمب ليس بلا أدوات داخلية. فرغم أن أسعار الوقود والانتخابات النصفية قد تضغط عليه، إلا أنه يستطيع استخدام إجراءات تنفيذية وحوافز مالية وضريبية لتخفيف العبء على الأميركيين، على غرار الأدوات الواسعة التي استُخدمت خلال جائحة “كوفيد-19”. لذلك، يبقى افتراض أن الضغط المعيشي سيجبره حتماً على تقديم تنازلات مؤلمة لإيران مبالغاً فيه. كما أن إيران ليست في موقع “الضحية” إقليمياً أو دولياً؛ علاقاتها مأزومة مع جيرانها، وحلفاؤها لا يبدون مستعدين لدفع أثمان كبرى عنها.

ويقول مايكل سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن، إن الصين لا تبدو قوة بديلة قادرة على الحلول محل واشنطن في الشرق الأوسط؛ فهي تؤمّن مصالحها، وتشتري النفط، وتنتقد أميركا، لكنها لا تحمي المشاعات العالمية ولا تنقذ شركاءها من الصواريخ الإيرانية. ويرى سينغ أن إيران ليست “سويس” أميركية، وأن بكين لا تقف جاهزة لوراثة النفوذ الأميركي، بل تظهر كقوة إقليمية طامحة أكثر منها قوة عالمية قادرة على تحمل أعباء النظام الدولي.

ويمثل مضيق هرمز أصل الضغط الإيراني ومصدر الخطر على أي اتفاق. فواشنطن تريد فتحه “بطريقة أو بأخرى”، كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بعد ضربات أميركية استهدفت زوارق إيرانية اتهمت بمحاولة زرع ألغام ومواقع إطلاق قرب المضيق. لكن قبول صيغة تمنح إيران حق إدارة المرور، أو تسمح لها بفرض “رسوم” أو إذونات عبور، سيبدو سابقة خطيرة. لذلك يرى منتقدو الصفقة أن طهران قد تخسر الحرب العسكرية، لكنها تكسب نظاماً جديداً في هرمز.

أما الملف النووي، فيحمل تعقيداً أشد. فترمب يكرر أن إيران “لن تمتلك سلاحاً نووياً”، لكن التفاصيل هي كل شيء: هل تسلّم طهران اليورانيوم العالي التخصيب؟ هل يُدمّر داخل إيران؟ هل يُنقل إلى دولة ثالثة مثل روسيا أو كازاخستان؟ وتحدثت تقارير حديثة عن استعداد كازاخستان للمساعدة إذا وُجد اتفاق دولي مناسب، فيما ظل جوهر الخلاف متعلقاً بالتفتيش والضمانات والجدول الزمني.

المشكلة أن الاتفاق مع إيران لا يدور في غرفة مغلقة. وبحسب باراك بارفي، فإن لبنان وغزة والبحر الأحمر والخليج العربي كلها جبهات متداخلة. في لبنان، تراجعت الهدنة بين إسرائيل و”حزب الله”، وسط تصعيد إسرائيلي واشتباكات واتهامات بأن الحزب يراهن على نتائج التفاوض الأميركي-الإيراني. وهذا يعني أن طهران قد تحاول استخدام الجبهات الحليفة ورقة تفاوضية، بينما تريد واشنطن فصل المسارات كي لا يتحول أي اتفاق نووي أو بحري إلى مظلة لاستنزاف إسرائيل أو الخليج.

لذلك لا تبدو إيران قادرة، حتى إذا حصلت على بعض الأموال، على العودة بسهولة إلى وضع التهديد المفتوح للمنطقة. فقد تعرضت قدراتها لضربات، وشرعيتها الإقليمية محدودة، كما أن روسيا والصين لا توفران لها غطاءً كافياً. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في اتفاق غامض يسمح لها بادعاء الانتصار داخلياً، واستثمار الأموال في ترميم أدوات الضغط، من الصواريخ إلى الوكلاء.

ويرى البعض أن إيران لم تكسب الحرب، لكنها تحاول منع ترمب من احتكار صورة النصر. أما ترمب، فلم يخسرها، لكنه يواجه اختباراً أصعب من الضربات العسكرية: أن يصوغ اتفاقاً يمنع النووي، ويفتح هرمز، ولا يحوّل التهدئة إلى مكافأة استراتيجية لطهران. وبين هذين الحدين تدور المعركة الفعلية الآن: ليست على من يعلن النصر أولاً، بل على من يكتب شروطه الأخيرة.