عاجل
٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| السبت، 23 مايو 2026
الرياض +19°C

ذكريات أبٍ رحل: سيرة إنسانٍ ملهمٍ في خدمة الأسرة والمجتمع

23/05/2026 11:03

لطالما ظننت أن الفراق هو نهاية الطريق، وأن ما يحدث هو جزءٌ من طبيعة الحياة. فقد كنت أؤمن بأن الروح عندما تنطلق إلى ملكوت الله تتحرّر من قيود الجسد الضعيف، فتمرّ الأيام بلا تغيير ملحوظ. ثم عاد بي الذاكرة لتستدعي طيف أبي من بين سحب النسيان، لتظهر صورته الرائعة التي رافقتني منذ فجر عمري.

أربعون يوماً من الفراق والحنين

مرت أربعون يوماً دون أن يغيب أبي عن ذاكرتي، ولا أن تغيب ذاكرته عنِّي. تدفّقت الذكريات، وتنامى الأسف في قلبي لفقد صاحب الهمة العالية، والصوت الحنون، والشيمة الرفيعة، والحكمة البالغة، والبصيرة الواضحة، والتدين السمح. كان صبوراً في أوقات البلاء، وحليمًا عندما يغلب الغضب.

رفق الأب منذ الصغر

كان أبي يعاملنا برفق منذ نعومة أيدينا، وعشنا في ظله نمتلك حرية الاختيار في شؤون حياتنا، سواء بالذهاب إلى المدرسة أو البقاء فيها. لم يزد العدد من ثمار المثابرة ولا من مغبات الغياب. ظل يحنو علينا كأننا لم نكبر، وكان يرغب في مرافقتي إلى محاضرات أو لقاءات أدبية كي لا أشعر بالوحدة، ثم يثنيه الخوف من أن يُرهقني بوجوده أو أن أتحمل تكاليف سفره.

تضحية وإيثار

كان يتنازل عن بعض حقوقه لإرضاء أقاربه وتجاوز الخلافات، ثم يطمئننا بعبارته: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيرًا منه». وكانت كلمته التي حفظناها طويلاً: «إن الله يصنع فيّ»، أي أن تدبير الله يجعل الأمور خيرًا لنا دون تدبير منا.

كان بيته مفتوحًا للضيوف في حضوره وغيابه، يكرم كل من طارق أو غريب أو عابر سبيل، دون أن يذخر عنّا شيئًا. كان بيتًا مستنيرًا بنوره، واسعًا بسماحته، ولو دخل قليل فإنه مبارك.

قيمة المال والإنفاق

لم يكن يأسى لفوات شيء من متاع الدنيا؛ فكان المال عنده لا قيمة له إلا بقدر ما يحقق من مكارم، ويقضي الحوائج، ويسبغ من الستر. وكان يكرر القول: «خير المال ما سدّ الفجر»، أي ما يُدفع به للواجبات أو لتلبية حوائج الآخرين، وليس ما يُدخر.

خدمة القرى والمجتمع

سعى لفتح الطريق إلى قريتنا والقرى المجاورة رغم معارضة أغلب الأهالي، وضحى بالجهد والمال من أجل إيصال الكهرباء والسقيا. عمل على تجديد مسجد القرية وتوسيعه بطراز حديث، وتبرع بأحد مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون مقابل. لم تُحصى أياديه ومبادراته في خدمة الناس، رغم أن البعض يظن أنه يسعى لمصالح خاصة، وهو ما لا يمكن أن يُلام عليه، فالعطاء كان بلا ثمن.

دعم التعليم

علّم القرآن في ثلاث معالمات، وعند افتتاح المدارس الحكومية أوّد أبنائه إلى أصدقائه في بلدات بعيدة للالتحاق بالمدارس. سعى لفتح مدارس للبنات، وبذل جهدًا لإقناع الأهالي بأهمية تعليم بناتهم. رافق أخواته إلى معهد للمعلمات، وتحمل مشقات التنقل حتى تخرجن، فأصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.

رعاية الأم المرضى

غادر بيته وقريته لتكليف من أقام صيانة لمسجده، ليرافق أمه في رحلة علاج استمرت ثمانية أشهر، من مدينة إلى أخرى، ومن مستشفى إلى آخر، حتى لحقها بجوار ربها. كان يعتذر لأسرته قائلاً: «أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء، لكنني أجد في مرافقتها تسليةً لها وطمأنينةً لي».

الانتقال إلى المدينة والمرض

ترك بيته وقريته التي قضى فيها عمره الطويل ليستقر في المدينة قريبًا من أبنائه وبناته. وعند من عاتبه على ذلك قال: «أكره أن أشق عليهم أو أجُرّ عليهم العقوق». عانى المرض لسنوات طويلة صابرًا ومُعينًا لعائلته، وربما كتم ألمه حتى لا يُؤلمهم. وقال مرة: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزعوا».

تستدعي الذاكرة طيف الأب عندما يغيب، فتُحاصرني مشاعر الفقد وتغمرني صورٌ جميلة ومواقفٌ كريمة. إن عزاونا هو رحمة الله لمن كان رحيمًا، وإحسانه لمن كان محسنًا، وكرمه لمن كان كريمًا في دنياه، ولطفه لمن كان لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين، عطوفًا عليهم.