عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026
الرياض +22°C

العرف القبلي والشرع: التوازن بين الأصالة والعدالة

28/08/2026 13:03

المرجع الأعلى: شرع الله فوق كل عرف

إن المجتمعات البشرية تحوز تراثاً اجتماعياً ينقله الأجيال، ويتضمن هذا التراث قيماً كريمة مثل الكرم، والشجاعة، والنخوة، وإغاثة المحتاج، وتكريم الضيف، وصلة الأقارب، وحفظ الجار، والسعي لإصلاح الخلافات، والنصرة للمظلوم. هذه الصفات تشكل جزءاً من هوية الجماعة وتعتبر فخراً لها، وهي لا تتعارض مع ما جاء به الإسلام؛ بل إن كثيراً منها من مكارم الأخلاق التي أكد عليها الشرع وحثّ عليها.

القاعدة الشرعية: العدل هو الميزان

إن الشريعة الإسلامية لم تُلغِ كل ما اعتاده الناس من عادات، وإنما جاءت بضوابط تحفظ الخير وتمنع الظلم. فكل عرف يتوافق مع الشرع ويحقق مصلحة ويحافظ على حقوق ويعين على الإصلاح يمكن الاحتفاظ به. أما إذا خالف العرف حكماً شرعياً أو أدى إلى ظلم أو أسقط حقاً أو ألزم الإنسان بما لا يلزمه شرعاً، فيجب أن يتوقف عند حدود الشرع. وقد قرر أهل العلم أن ما وافق الشرع من الأعراف لا حرج فيه، بينما ما خالف الشرع لا يجوز جعله ملزماً للناس.

ويستدلون بقول الله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وقوله سبحانه: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». هذه الآيات تجعل مرجع الحكم هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعدل هو الميزان الذي ينبغي أن يحكم علاقات الناس.

مسؤولية المشايخ وأهل الإصلاح

للمشايخ وأهل الإصلاح مكانة كبيرة وكلمة مسموعة، ودورهم في جمع الكلمة وإنهاء الخصومات وإصلاح ذات البين محل تقدير. لكن هذه المكانة تحمل مسؤولية عظيمة؛ فالمصلح الحقيقي يجعل الحق أمامه والعدل ميزانه ورضا الله غايته.

والشيخ الذي ينصف المظلوم ولو كان من غير قبيلته، ويمنح كل ذي حق حقه ولو كان الحق على قريبه، هو الذي يرفع شأن قبيلته ويحفظ مكانتها.

ويؤيد ذلك قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ». هذا الميزان يؤكد أن الحق لا يتغير بسبب القرابة أو القبيلة أو المكانة الاجتماعية.

الأصالة الحقيقية والوفاء للحق

الفخر بالقبيلة والنسب بحد ذاته ليس عيباً، بل العيب يكمن عندما يتحول هذا الفخر إلى تعصب يدفع المرء إلى تأييد قبيلته دون اعتبار لما إذا كانت على حق أو على باطل. فالنخوة الأصيلة تعني الوقوف إلى جانب المظلوم، وليس الانحياز للظالم لمجرد انتمائه القبلي. والوفاء الصادق يقتضي نصرة الحق، وليس مساندة القريب عندما يخطئ. والشرف الحقيقي يتمثل في الحفاظ على حقوق الناس، ولا يُسمح بسحبها تحت مسمى العرف.

والأصالة لا تكمن في التمسك الأعمى بكل ما ورثناه، بل في معرفة قيمة التراث، والحفاظ على ما هو نافع ومتوافق مع الشرع، وترك ما يخالفه أو يؤدي إلى ظلم. لذا نحافظ على الكرم، والنخوة، والشجاعة، وإغاثة المحتاج، وتكريم الضيف، وصلة الأقارب، ופفظ الجار، والسعي لإصلاح الخلافات، والنصرة للمظلوم؛ هذه الصفات تستحق الاستمرار والانتقال إلى الأجيال القادمة.

أما العادة التي تحتاج إلى تعديل فإن تقويمها لا يعني التخلي عن الهوية، بل يعني حمايتها من الانزلاق إلى ما لا يليق بها. ومسؤوليتنا أمام الله تفرض على من كان له صوت مسموع أو دور في الصلح أن يتقي الله في حقوق الناس، فلا يجعل العرف فوق الشرع، ولا يفضّل رضا الجماعة على الحق، ولا يُبقي عادة تسبب في ظلم فرد.

ويؤكد الله تعالى قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ». هذه الآية توضح مسار الإصلاح: أداء الأمانة، والعدل بين الناس، والابتعاد عن الظلم.

نريد مجتمعاً يحتفظ بنخوته لكنه يلتزم بالعدل، وإصلاحية تبعد عن الظلم، ومكانة للقبيلة تخلو من التعصب، وتقاليد حسنة تبقى ضمن حدود الشرع. فهنا تكون الأصالة الحقيقية: الحفاظ على ما هو جميل من التراث، وتوفر الشجاعة لتصحيح ما يحتاج إلى تعديل، لأن المسلم لا يجعل العادة فوق الحق ولا الانتماء فوق العدل.