بين الصخور والجداول، وعلى سفوح جبل أرنوس شرقي تركيا، يخوض النحّالان وهاب سيمو وأرقان سوينج رحلة مختلفة تماماً عن تربية النحل التقليدية. فهما لا يبحثان عن خلايا مصطفة داخل منحل، بل يتعقّبان أسراباً فضّلت بناء حياتها بعيداً عن البشر، داخل تجاويف الأشجار وبين الصخور.
رحلة البحث عن خلايا برية في جبال وان
ومع حلول أوقات محددة من العام، يبدأ النحّالان رحلتهما في منطقة جاتاق التابعة لولاية وان، حيث يقطعان مسافات طويلة عبر تضاريس جبلية وعرة، بحثاً عن أسراب غادرت خلاياها في الربيع واستقرت في الطبيعة لتبني أعشاشها وتنتج عسلها باستقلالية تامة.
وفي إحدى رحلاتهما الأخيرة، قادهما البحث إلى سفوح جبل أرنوس، البالغ ارتفاعه 3547 متراً، حيث عثرا على خلية داخل تجويف شجرة، بعد عبور مناطق صخرية وجداول مائية ومسافة طويلة في الجبال.
طبيعة بكر تجذب أسراب النحل
تتميز منطقة جاتاق بطبيعتها البكر وتنوع غطائها النباتي، ما يجعل تربية النحل نشاطاً واسع الانتشار فيها. غير أن بعض الأسراب تنفصل عن المناحل وتتجه إلى الطبيعة بحثاً عن مأوى جديد، وعندما يستقر السرب داخل تجويف شجرة أو بين الصخور، يبدأ ببناء أقراصه وإنتاج العسل في المكان الذي اختاره بعيداً عن خلايا المناحل.
وبعد الوصول إلى الخلية، استخدم سيمو وسوينج الدخان لتهدئة النحل وتقليل حركته، قبل أن يبدآ بحذر في إخراج أقراص العسل من داخل تجويف الشجرة.
كميات متفاوتة من العسل البري
وقال سيمو، الذي يعمل في تربية النحل منذ سنوات، للأناضول، إن بعض أسراب النحل تغادر خلاياها في الربيع وتتجه إلى الطبيعة، حيث تبحث عن تجاويف الأشجار أو المناطق الصخرية لتقيم فيها. وأضاف: “قطعنا مسافات طويلة، وبعد جهد كبير تمكنا من استخراج العسل من داخل تجويف الشجرة”.
وأشار إلى أن كمية العسل المستخرجة تختلف من خلية إلى أخرى، إذ تبلغ أحياناً نحو 3 كيلوغرامات، وترتفع في حالات أخرى إلى 5 كيلوغرامات، وقد تصل في أقصى الحالات إلى نحو 10 كيلوغرامات. ووصف سيمو هذا العسل بأنه “ليس منتجاً يمكن العثور عليه في كل مكان”، مشيراً إلى أن بعض الزبائن يطلبونه لأغراض علاجية.
وبعد استخراجه، يعرض النحّالان العسل للبيع ويرسلانه إلى زبائن في مناطق مختلفة من تركيا تقدموا بطلبات للحصول عليه.
إبقاء النحل على قيد الحياة في الشتاء
وبالنسبة إلى سيمو، فإن تجويف الشجرة لا يمثل مجرد مكان مؤقت للنحل، بل يتحول إلى موطن كامل للسرب. وقال: “النحل يبني عشه داخل التجويف، وتبدأ حياته هناك، وينتج العسل هناك”.
ولهذا السبب، لا يأخذ النحّالان جميع أقراص العسل التي يعثران عليها، بل يتركان كمية تكفي السرب خلال الشتاء. وأضاف سيمو: “بعد استخراج العسل، نحافظ على النحل بطريقة تمكنه من قضاء الشتاء. لا نأخذ العسل كله، بل نترك له ما يكفيه، وإذا لم نفعل ذلك سيموت”. واختصر علاقته بالنحل بقوله: “حيث يوجد النحل توجد الحياة”.
مشقة الطريق ومتعة العودة
أما سوينج، فيرى أن الوصول إلى العسل هو الجزء الأصعب من الرحلة، إذ يتطلب أحياناً قطع مسافات طويلة في مناطق يصعب اجتيازها. وقال للأناضول: “مررنا بطرق صعبة، وعبرنا الجداول، وواجهنا مشقة كبيرة حتى وصلنا إلى هنا”. وأضاف: “تمكنا من استخراج عدة كيلوغرامات من العسل، وكان مجيئنا إلى هنا يستحق العناء”.
وأشار إلى أن البحث عن هذه الخلايا تحول إلى نشاط يعودان إليه كل عام، إذ يتجهان إلى المناطق الطبيعية لتعقب الأسراب التي غادرت المناحل واستقرت في الأشجار أو المناطق الصخرية.
ومع انتهاء عملية استخراج العسل، لا يترك النحّالان خلفهما خلية فارغة، بل سرباً يواصل حياته في المكان نفسه بما تبقى له من غذاء استعداداً للشتاء. ويغادر سيمو وسوينج الموقع عبر الطريق الجبلي ذاته الذي أوصلهما إليه، فيما تبقى الخلية داخل الشجرة عند سفوح أرنوس، إلى أن تبدأ رحلة جديدة وراء سرب آخر اختار لنفسه مكاناً بعيداً بين جبال وان.






