عاجل
الخميس، 29 أكتوبر 2026١٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 19°C

تونس تتجه لاقتراض 9.3 مليارات دولار لموازنة 2027 وسط تحذيرات من مخاطر التضخم

29/10/2026 07:38

أظهر مشروع الموازنة التونسية للعام 2027 أن الحكومة تخطط لاقتراض نحو 9.3 مليارات دولار لتغطية نفقات الدولة واحتياجات الخزينة العامة، متضمنة قرضاً مباشراً من البنك المركزي بقيمة تصل إلى 3.26 مليارات دولار. هذا التوجه أثار تحذيرات واسعة من نقابات واقتصاديين وبرلمانيين بشأن تداعياته المحتملة على التضخم والاستثمار والقدرة الشرائية.

مشروع الموازنة لعام 2027

وفقاً لوثيقة الموازنة، تعتزم الحكومة جمع 6.68 مليارات دولار من قروض داخلية، و2.29 مليار دولار من قروض خارجية. كما يتضمن المشروع 466 مليون دولار من مصادر تمويل أخرى لم تُحدد بعد. ويقدر إجمالي الموازنة للعام 2027 بنحو 22.96 مليار دولار، مقارنة بـ21.19 مليار دولار في العام 2026، بارتفاع نسبته 8.37 في المئة.

ولتمويل جزء من احتياجاتها، ينص المشروع على استثناء أحكام الفصل 25 من القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي، مما يتيح للبنك منح الخزينة العامة قرضاً يصل إلى 3.27 مليارات دولار بدون فوائد، يُسدّد على مدى 15 عاماً بعد فترة سماح مدتها 3 سنوات. ويأتي هذا في إطار لجوء تونس للمرة الرابعة إلى التمويل المباشر من البنك المركزي، بعد تعثر مفاوضات قرض مع صندوق النقد الدولي، وقرار الرئيس قيس سعيد التخلي عن السعي للحصول عليه.

يذكر أن الحكومة التونسية سبق أن اقترضت 2.22 مليار دولار من البنك المركزي في العام 2024، بينما تضمنت موازنة 2026 اقتراضاً مبرمجاً بنحو 3.7 مليارات دولار.

تحذيرات من اتحاد الشغل

في دراسة نشرها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل السبت، حذر الاتحاد من استمرار اعتماد الدولة على التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي. وأوضح أن هذا التمويل بلغ 2.3 مليار دولار في كل من عامي 2024 و2025، مع برمجة تمويل إضافي بقيمة 3.67 مليارات دولار للعام 2026. واعتبر الاتحاد أن هذا التوجه يمثل “حلاً ظرفياً مرتفع المخاطر” إذا استمر الاعتماد عليه، خصوصاً مع مؤشرات إلى احتمال مواصلته خلال 2027.

واستناداً إلى أحد السيناريوهات الثلاثة التي عرضتها وكالة “فيتش”، أشار الاتحاد إلى أن وقف تسهيلات البنك المركزي قد يرفع نسبة الاقتراض الداخلي من 1.7 في المئة إلى 6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وحذر من أن ذلك قد يدفع الدولة إلى زيادة اعتمادها على موارد البنوك التونسية، مما يزاحم القطاع الخاص ويستنزف موارد السوق المالية الداخلية، ويؤدي إلى ارتفاع كلفة التمويل وتراجع قدرة البنوك على تمويل المؤسسات والأفراد، وزيادة تعرض الجهاز المصرفي للمخاطر السيادية.

ودعا الاتحاد إلى إعداد خطة وطنية عاجلة لاستباق الصدمات وإنعاش الاقتصاد، تتضمن استراتيجية واضحة لإدارة الدين العمومي وتحديد احتياجات التمويل متوسطة المدى، مع تنويع مصادر التمويل وآجاله، وتقييم كلفته ومخاطره، وإعداد بدائل في حال تراجع التمويل النقدي. كما طالب بوضع سقف لتسهيلات البنك المركزي المخصصة لموازنة 2027، وربطها أساساً باعتمادات الاستثمار العمومي للحد من المخاطر النقدية والتضخمية.

مخاطر التضخم وانتقادات اقتصادية

من جانبه، حذر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي من التداعيات المالية والتضخمية لاقتراض الدولة مجدداً من البنك المركزي. وقال الشكندالي في تصريحات للأناضول إن المشروع يعتمد بصورة مفرطة على الاقتراض الداخلي بقيمة 6.6 مليارات دولار لتغطية العجز وتسديد الديون، معتبراً أن الأخطر هو اللجوء للمرة الرابعة على التوالي إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي بقيمة 3.2 مليارات دولار دون فوائد وعلى مدى 15 عاماً.

وأوضح أن ضخ هذه السيولة في الخزينة العامة دون غطاء إنتاجي حقيقي موازٍ لها يحمل مخاطر تضخمية مرتفعة، وقد يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للدينار التونسي، فضلاً عن مزاحمة القطاع الخاص وحرمانه من السيولة المصرفية الضرورية للاستثمار. وخلص الشكندالي إلى أن ذلك يعكس، وفق تقديره، هشاشة التوازنات المالية للموازنة واعتمادها على “مسكنات نقدية” بدلاً من تعبئة موارد حقيقية مستدامة.

تحفظ برلماني

بدوره، أبدى عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان تحفظه على استمرار لجوء الدولة إلى البنك المركزي لتمويل عجز الموازنة. وقال شوشان في تصريحات لموقع “تونس الرقمية” إن هذا التوجه “قرار خاطئ وسيضر بالاقتصاد الوطني آجلاً أم عاجلاً”. وأضاف أنه سيسعى، بالتنسيق مع وزيرة المالية، إلى طرح خيارات أخرى تضمن توجيه الأموال المقترضة من البنك المركزي إلى المؤسسات العمومية، محذراً من استخدام هذه الموارد في دعم الموازنة وسداد الأجور، وهو ما اعتبره توجهاً خاطئاً.

التضخم والسياسة النقدية

تأتي هذه التحذيرات في وقت سجلت فيه تونس ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 5.6 في المئة خلال سبتمبر 2026، مقابل 5.4 في المئة في أغسطس السابق له، وفق بيانات نشرها المعهد الوطني للإحصاء مطلع أكتوبر. وفي نهاية يوليو الماضي، أبقى البنك المركزي التونسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 7 في المئة، مشيراً إلى أنه قيّم التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية على الصعيدين المحلي والدولي، إلى جانب مسار التضخم والمخاطر المحيطة بآفاقه.

وأشار البنك إلى تعرض أسواق المواد الأولية، ولا سيما النفط، لتقلبات حادة بعد عودة الأسعار إلى التذبذب خلال يوليو إثر تجدد التوترات في الشرق الأوسط والمخاطر التي تهدد إمدادات الطاقة. وأوضح أن أسعار الطاقة، رغم تراجعها، ظلت أعلى من مستوياتها السابقة، بما يغذي مخاطر التضخم، خصوصاً في اقتصادات الدول المستوردة للطاقة. ولفت إلى أن حالة عدم اليقين ومخاطر انتقال آثار صدمات أسعار الطاقة دفعت بنوكاً مركزية رئيسية إلى تبني سياسات نقدية حذرة، لتجنب استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة.