طرح الدبلوماسي التركي فريدون سينيرلي أوغلو، المرشح الرسمي لأنقرة لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وثيقة رؤية متكاملة تتضمن أهدافه الطموحة الرامية إلى منع اندلاع النزاعات، وتعزيز التنسيق الدولي، وتحويل الهيئة الأممية إلى كيان أكثر فعالية واستجابة لتحديات العصر.
أولويات الرؤية: منع النزاعات وبناء الجسور
استعرض سينيرلي أوغلو، في الوثيقة التي حملت عنوان “صون التعددية وبناء الجسور”، السياسات التي يعتزم تطبيقها والمجالات التي ستمنح أولوية خاصة في حال فوزه بالمنصب. وتضمنت الوثيقة، المرفقة بملف ترشحه لمنصب الأمين العام، تحليلات ومقترحات تتعلق بمجموعة واسعة من القضايا، من بينها السلام والأمن على المستوى الدولي، والتنمية المستدامة، والتكنولوجيات الحديثة، وإصلاح هيكل المنظمة.
وفي قسم من الوثيقة بعنوان “أمم متحدة تؤدي رسالتها”، ذكّر سينيرلي أوغلو بأن الأمم المتحدة نشأت أساساً لحماية الأجيال المقبلة من ويلات الحروب. وأشار إلى أن المنظمة تحولت إلى أهم منصة عالمية لإرساء السلام، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والنهوض بحقوق الإنسان على نطاق عالمي. لكنه لفت إلى أن السلام والأمن الدوليين يواجهان اليوم ضغوطاً غير مسبوقة، مشيراً إلى أن الحروب الدائرة في أنحاء متفرقة من العالم تتسبب في تدمير مجتمعات ودول بأكملها. كما أشار إلى أن العالم يعيش ثورة تكنولوجية جديدة، مؤكداً أن هذا التحول يحمل فرصاً كبيرة إلى جانب درجة عالية من عدم اليقين.
وقال سينيرلي أوغلو: “لكن الأمم المتحدة، التي تعيد بمفردها بناء رسالتها وهدفها التأسيسيين التاريخيين، قادرة على تجاوز التحديات التي تواجهها”. وأوضح أن خبرته الدبلوماسية التي تمتد لأكثر من أربعين عاماً أثبتت له أن المنظمة قادرة على إعادة توجيه البشرية نحو السلام والازدهار ومستقبل يحفظ كرامة الجميع.
دور الوسيط النزيه: الحوار والدبلوماسية الوقائية
كتب المرشح التركي: “أترشح لمنصب الأمين العام لأنني أؤمن بأن الأمم المتحدة لا غنى عنها، ليس لأنها منظمة بلا عيوب، بل لأنه لا توجد مؤسسة أخرى تملك الشرعية العالمية التي تملكها، والقدرة على جمع الدول، والمسؤولية الأخلاقية التي تتحملها”. وأضاف: “مهمتنا لا تقتصر على إبقاء الأمم المتحدة قائمة، بل تتمثل في تعزيز قدرتها على الوساطة في الخلافات، ومنع النزاعات، وصون الكرامة الإنسانية، وإيجاد حلول ملموسة لمشكلات الحاضر والأجيال المقبلة”.
وشدد سينيرلي أوغلو على أن الأمين العام ينبغي أن يكون حارساً مستقلاً لميثاق المنظمة، ووسيطاً نزيهاً بين الدول الأعضاء، وقائداً صاحب رؤية لأكثر المؤسسات متعددة الأطراف تعقيداً في العالم. وأكد أن المنصب يتطلب مهارات في الإصغاء الجيد، إلى جانب القدرة على جمع الأطراف، والحياد، والشجاعة، والقيادة. وقال إن هذه الصفات تكتسب أهمية حيوية خاصة في مرحلة يُنتظر فيها من الأمم المتحدة إجراء إصلاحات جذرية، وخفض التكاليف، وإعادة التركيز على رسالتها الأساسية. وأضاف: “قبل كل شيء، يجب على الأمين العام أن يخدم جميع الدول الأعضاء بحياد، وأن يعمل على بناء مستقبل أفضل للجميع”.
أكد سينيرلي أوغلو أن الدبلوماسية تبقى أقوى الأدوات لخفض التوترات وإدارة المخاطر في بيئة يسودها انعدام الثقة. وقال: “تأسست الأمم المتحدة على حقيقة بسيطة لكنها راسخة، وهي أن الأمن يتحقق بالتعاون مع بعضنا البعض، لا في مواجهة بعضنا البعض. ومهما بلغت الصعوبات، ينبغي تحقيق الأمن بالتعاون فيما بيننا. لم يتغير هذا المبدأ، ولم تكن مسؤوليتنا في الحفاظ عليه أكبر مما هي عليه اليوم”. وتابع: “في هذا السياق، يتعين إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وإعادة فتح القنوات المغلقة من أجل حل النزاعات المعقدة في عصرنا”. وقال إن “إقامة الحوار مع من نختلف معهم ليست تنازلاً، بل مسؤولية، ويكتسب ذلك أهمية حيوية في البيئة الأمنية المضطربة اليوم، لمنع سوء الفهم والحد من مخاطر التقدير الخاطئ”.
التكنولوجيا والغذاء والتنمية: أجندة شاملة للمستقبل
أشار سينيرلي أوغلو إلى أن جهود الوساطة والدبلوماسية الوقائية التي تبذلها الأمم المتحدة يمكن أن تسهم في تجاوز الخلافات وبناء الثقة وتحقيق نتائج ملموسة، سواء على طاولة المفاوضات أو على الأرض. وأوضح أن مهمة المنظمة لا تقتصر على حل الأزمات، بل تشمل أيضاً منع وقوعها، مشيراً إلى ضرورة تعزيز قدراتها في مجالات الإنذار المبكر، والوساطة، وبناء السلام، والتعاون مع الشركاء الإقليميين. ولفت إلى أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تواصل خدمة قضية السلام من خلال ترسيخ الاستقرار، ودعم اتفاقات السلام، وحماية المدنيين، وقال: “على الرغم من أن هذه العمليات ليست غاية في حد ذاتها، فإنها تهيئ الظروف اللازمة لاستدامة السلام، ويتعين أن تظل مرنة وفعالة ومتجاوبة من خلال المراجعة المستمرة والإصلاحات”.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والأمن السيبراني والفضاء، قال سينيرلي أوغلو إن هذه التقنيات التحويلية توفر فرصاً مهمة إلى جانب مخاطر جسيمة، ودعا إلى أن تسهم الأمم المتحدة في إنشاء أطر حوكمة عالمية تدعم الأمن وتشجع الابتكار، مع حماية حقوق الإنسان والسلام والأمن الدوليين والازدهار المشترك. كما لفت إلى أن التحديات المتزايدة تؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار العالمي وتعميق أوجه عدم المساواة، ما يبرز أهمية تلبية الاحتياجات الإنسانية، ولا سيما ضمان الوصول إلى الغذاء. وقال: “كما أظهرت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي نُفذت بفضل التعاون الوثيق بين بلدنا والأمم المتحدة، فقد أثبتت المنظمة بالفعل قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة من خلال اتخاذ خطوات فعالة وفي الوقت المناسب، وينبغي لها مواصلة أداء دور ريادي في تعزيز الأمن الغذائي العالمي”.
وأكد سينيرلي أوغلو أن أهداف التنمية المستدامة لا تزال تمثل خارطة طريق مشتركة للبشرية نحو مستقبل أكثر عدلاً وشمولاً وقدرة على الصمود، وشدد على أن إحراز تقدم في هذا المجال يتطلب تجديد الشراكات الدولية، وتوفير التمويل المبتكر، وتعزيز التعاون العلمي، وتقديم مساعدات عملية للدول التي تواجه مستويات كبيرة من الهشاشة. ولفت إلى أن الحد من أوجه عدم المساواة بين الدول أمر بالغ الأهمية لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين، وقال: “يعني ذلك تسريع الجهود الرامية إلى القضاء على جميع أشكال الفقر، وتقليص الفجوة في مستويات الرفاه، وسد الفجوة الرقمية، وضمان رفاه الفئات الأكثر ضعفا، وحماية البيئة والتنوع البيولوجي”.
وجاء في الوثيقة: “إن تمكين النساء والفتيات من خلال توفير فرص متكافئة في جميع مجالات الحياة يمثل استثماراً لا غنى عنه لمستقبلنا المشترك. وبالمثل، ينبغي وضع الشباب في صميم جهودنا المشتركة الرامية إلى تعزيز الازدهار والشمول والسلام، بما يتماشى مع خطة التنمية المستدامة لعام 2030، وإن ضمان مشاركتهم الفاعلة في عمليات صنع القرار يعد من أكثر السبل فعالية لتعزيز دور الشباب القيادي في مواجهة التحديات الدولية”.
الإصلاح الهيكلي والشفافية المالية: نحو أمم متحدة جديدة
أكد سينيرلي أوغلو ضرورة أن تصبح الأمم المتحدة “أكثر مرونة وشفافية وكفاءة رقمية ومسؤولية مالية وخضوعاً للمساءلة”، وقال: “ينبغي توجيه الموارد بما يحقق أثراً قابلاً للقياس، كما يجب أن تستند عملية صنع القرار إلى الأدلة، وأن تتعزز من خلال المساءلة على جميع مستويات القيادة”. وأضاف: “تتطلب إعادة هيكلة الأمم المتحدة تحقيق توازن دقيق، يتمثل في زيادة كفاءة الاستثمارات المقدمة إليها، دون المساس بكفاءاتها الأساسية أو خبراتها أو قدراتها التشغيلية، وينبغي للإصلاح أن يعزز الفاعلية مع الحفاظ على نقاط القوة المؤسسية التي تمكّن الأمم المتحدة من أداء مهامها”.
ولفت سينيرلي أوغلو إلى أن الاحتياجات العالمية بلغت مستويات غير مسبوقة في وقت تشهد فيه الموارد المالية تراجعاً كبيراً، مشيرأ إلى أن مواصلة الأمم المتحدة تقديم الخدمات المنقذة للحياة والبرامج التي تحدث تغييرا في حياة ملايين الأشخاص حول العالم تتطلب تحدبد الأولويات الاستراتييجية، وحسن التقدير، والفهم الواضح للقيمة التي تحققها هذ هالبرامج والأنشطة. وقال: “ينبغي للأمين العام المقبل أن يقود عمل ية الإصلاح الشامل هذ ه بحزم، استناداً إلى قاعدة متينة وبدعم وتوجييه واسعين من الدول الأعضاء. نحن أمام فرصة تاريخية لتحويل المنظمة إلى الأمم المتحدة التي نحتاج إليها في المستقبل، وينبغي لنا اغتنام هذ هالفرصة بعناية وحزم”.
وقال سينيرلي أوغلو إنه سيلتزم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسيتبنى نهجاا محايداً تجاه جميع الدول الأعضاء، في حال انتخابه أميناا عاماا للمنظمة. وأضاف أنه يهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة داخل الأمم المتحدة، وزيادة التعاون مع المنظمات الإقليمية، مشيراً إلى أنه سيولي أهمية خاصة لضمان مشاركة الفئات غير الممثلة بالقدر الكافي في عمليات صنع القرار عند البحث عن حلول للمشكلات الدولية. وقال: “بغض النظر عن المناصب التي توليتها، ظلت مبادئ الأمم المتحدة طوال مسيرتي المهنية دليلي ومرشدي”.
وتطرق سينيرلي أوغلو إلى عمله في منصب الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مشيراً إلى أنه قدم مقترحات شاملة لإعادة إحياء العمليات السياسية التي لم تشهد تقدماً منذ فترة طويلة. وأوضح أن العالم يمتلك المعرفة والموارد الكافية لحل المشكلات التي يواجهها، لكنه يحتاج إلى إرادة التحرك المشترك، مؤكداً ضرورة أن تعود الأمم المتحدة لتكون المنصة الأساسية التي تتشكل فيها هذ هالإ إرادة. وقال: “أؤمن بأن الأمم المتحدة تحتاج، في هذ هالمرحلة الحاسمة من التاريخ، إلى أمين عام يفهم الديناميات التي أدت إلى النزاعات الكبرى القائمة في عالمنا اليوم، وتعود جذور كثير من هذ هالنزاعات إلى المنطقة الجغرافية الواسعة التي ولدت ونشأت فيها، لكن آثاره محسوسة في مختلف أنحاء العالم”.
وبعد أن استعرض جهوده الرامية إلى معالجة القضايا التي تهدد السلام والأمن الدوليين، أوضح سينيرلي أوغلو النهج الذي سيتبعه في حال انتخابه أميناا عاماا، قائلاً: “بصفتي أميناا عاماا، سأكرس كل خبرتي وطاقتي وتصميمي لضمان التزام الأمم المتحدة برؤية مؤسسيها، وسأعمل في هذ االإطار على منع النزاعات، وتعزيز التنمية المستدامة، وصون الكرامة الإنسانية، والإسهام في بناء عالم أكثر سلماا وازدهارا وع دلا للجميع”.
جدير بالذكر أن الدبلوماسي التركي سينيرلي أوغلو شغل منصب وزير الخارجية التركي بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشريين الثان ي 2015. كما تولى منص ب الممثل الدائم لتركيا لدى الأمم المتحدة بين عامي 2016 و2023، ويشغل حالياا منص ب الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.






