عاجل
١٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 2 أغسطس 2026
الرياض +17°C

عبد الله الساكت.. رحيل رجل وهو ساجد وذكرى عطرة تخلد سيرته

02/08/2026 17:02

كلمتا رحيل ورجل: ثقل المعنى وعمق الأثر

كلتا الكلمتين تحملان ثقلاً وألماً لا يخفى على أحد. الأولى – الرحيل – موجعة دوماً، وكل فراق قاسٍ، وكل ذهاب مؤثر، فما بالك برحيل لا عودة بعده. أما الثانية – الرجل – فهزّة للأرض، تحرك الساكن، وتغير الأحوال. فالرجولة ليست مجرد تعاليم تُلقن، ولا تتشكل بالتربية وحدها، ولا تكتمل بالعادات والتقاليد فحسب. الرجل يُوصف بذلك لأنه يحتمل – نعم يحتمل كل شيء – وهذا هو قدر الرجل، قدر الرجال.

الرجل يحتمل الأذى، يحتمل الألم، يحتمل الجوع، يحتمل الفقر، يحتمل العطش. لا أقول إنه يحتمل كل الصعاب وأن عليك أن تضع ما شئت منها، بل أريد أن أوصلك إلى فكرة أولية وبدائية: احتماله كبير وطويل ومرهق، وإلا لما وصف بذلك. الشريعة السمحة جعلت ذلك منهجاً يستقر به الحال، فالأمانة التي كُلّف بها لم يُكلَّف بها غيره، والمسؤولية الواجبة عليه تتضاعف. بيده القوامة، وعليه المسؤولية، وشهادة رجل بشهادة امرأتين – ولن أدخل في تفاصيل أكثر فالمجال لا يتسع لذلك.

رحيل الرجل: موجع ومؤثر، ولكن تسليماً للقضاء

أقول إن رحيل الرجل موجع جداً، وفقدانه أليم ومؤثر، وتلك حكمة الله في خلقه، وسنة الحياة كما يُقال. لا اعتراض، ولا نقاش، وإنما تسليم وإيمان بقضاء وقدر، والحمد لله على كل حال.

توقفت كثيراً أبحث عن طيب الذكر وصاحب السيرة العطرة: الوالد عبد الله الساكت، الذي وافته المنية يوم الجمعة عصراً وهو على سجادته. وكما يقول ابنه الصديق العزيز بندر: لم يكن والدي – رحمه الله – يشكو مرضاً أو ألماً. حينما استفسرت هل كان يشتكي من شيء أو يعاني علّة؟ فأجاب: على الإطلاق، بل استغربنا كلماته التوديعية في آخر أيامه، وحرصه على جمع المقربين من أصدقائه وكأنه أيقن أنه راحل!

صفات الفقيد: بشاشة دائمة وحكمة رزينة

لم ألتقِ أبا خالد كثيراً، نظراً لتنقله الدائم حسب طبيعة عمله، ولكن السمة الأجمل في البشر لمعت في ذاكرتي مباشرة: تبسمه الدائم – غفر الله له. فالرجل كما عرفته، وتحت أي ظرف تراه بشوشاً متهللاً، مرحباً عطوفاً. لم أسمع عنه شدة أو غلظة في غير محلها، بل كان رزيناً متأنياً، يأخذ الأمر بروية وحكمة، لا يحب النزاع والشقاق. فرحم الله رجلاً ترك المراء ولو كان صادقاً، وأكمل بها من خصلة طيبة تكفي المرء دهره كله، ناهيك عن مناقب ذلك الرجل البشوش والوجه الضاحك الذي أسأل الرب أن يجعلها على وجهه ويجمعنا به ووالدينا في جنات النعيم.

عملت بحثاً سريعاً فوجدت الجميع يجمع على مآثره، والبعيد قبل القريب يعدد صفاته الحسنة ودماثة أخلاقه.

الإرث الأعظم: الصيت الحسن والسمعة الطيبة

كلنا راحلون وكلنا ماضون، ولكن ماذا سنترك؟ الإرث الأعظم في هذه الحياة – الذي لا يأتي به المال، ولا يجلبه الجاه، ولا يهبه النسب ولا المنصب – هو الصيت الحسن والسمعة الطيبة. يظن صاحبها أنه ليس منها، ويسعى جاهداً طيلة حياته أن لا تمس سيرته بسوء، ولا يوصم بعيب أو عار يلحقه حتى بعد رحيله.

الجميع يرجو الذكر الحسن والوصف الحميد والمكانة الراقية بين الناس، ولكنها مكانة صعبة الوصول، ومن بلغها تضاعفت عليه صعوبة المحافظة عليها وعدم الاقتراب منها بشيء يعكر صفوها وجمالها.

رحم الله الوالد أبا خالد، وجعل منزلته عالية في جنة خالدة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والحمد لله على قضائه وقدره.