عاجل
٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الإثنين، 8 يونيو 2026
الرياض +17°C

نظرة استراتيجية على التحولات الدفاعية في الملتقى الأخير

08/06/2026 15:14

يتباين سلوك الجهات المتعاملة مع النقد إلى ثلاثة نماذج رئيسية: الأولى تسعى إلى التواصل وإيصال الصورة الكاملة لتفادي نقص في الفهم؛ والثانية تنزعج من أي ملاحظة وتتعامل كأن العلاقة تنتهي فور طرحها؛ أما النموذج الثالث فيتخذ النقد بشكل شخصي ويتجه إلى الشكوى للجهات العليا، إلا أن هذه الخطوة نادراً ما تغير الواقع لأن السبب الحقيقي يكمن في ما لم يُعالج من قصور.

خلال فعاليات الملتقى الأخير شهدنا جلسات هامة شارك فيها عدد من المسؤولين، إلا أن ما جذب انتباهي كان حديث الدكتور خالد البياري، مساعد وزير الدفاع. لم يقتصر حديثه على العبارات التقليدية المتكررة، بل تجسد فيه تفكير استراتيجي واضح يعكس فهماً عميقاً للتحولات الكبيرة في مجال الدفاع.

منهجية التفكير الاستراتيجي للدكتور البياري

يتردد كثير من المسؤولين في المناسبات العامة بعبارات منسقة بدقة، لكنها تظل كلمات دون مضمون عملي. بالمقابل، يقدم الدكتور البياري رؤية ترتكز على ربط المتغيرات المتسارعة وتقييمها ضمن إطار استراتيجي شامل، ما يميز حديثه عن غيره.

أظهر الدكتور إلماماً واسعاً بأحدث التطورات التقنية والاستراتيجية، مشيراً إلى أن ما يشهده العالم اليوم من تغيرات جذرية في طبيعة الحروب وأساليب إدارتها لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. كما أكد ضرورة الاستفادة من دروس الصراع الروسي‑الأوكراني في صياغة سياساتنا الدفاعية.

التحولات التكنولوجية وسرعة الاستبدال

أوضح المتحدث أن وتيرة التطور الحالية تشبه ثورة تكنولوجية؛ فالتقنية التي تُعتمد اليوم قد تصبح غير صالحة للاستخدام غداً. وقد تساءل البعض عن مدى ضرورة أن يكون مسؤول دفاعي على دراية بهذه المستجدات، لكنه أشار إلى أن الواقع يكشف عن وجود بعض القادة الذين لا يزالون يتشبثون بأفكار تقليدية لا تستوعب هذه التحولات.

هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فالمؤسسات ذات الطابع التقليدي مثل الطب والدين والجيش غالباً ما تقاوم التغيير. لذا كان من المشجع رؤية درجة الوعي والانفتاح التي أظهرها كبار المسؤولين في الوزارة تجاه هذه المتطلبات المتسارعة.

الذكاء الاصطناعي وتحديث المنظومة العسكرية

من بين القضايا التي نادينا بها في مقالاتنا سابقاً هو دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة في برامج التدريب والتأهيل داخل وزارة الدفاع، مع اقتراح تخصيص نسبة لا تقل عن 15 % من الكوادر لتخصصات التقنية الحديثة. فالحروب المعاصرة لا تعود إلى مجرد جندي وبندقية، بل تعتمد على أنظمة ذكية وحروب عن بُعد وتقنيات ذاتية التشغيل.

أشار الدكتور البياري، الذي يحمل خلفية في الاتصالات والمعلومات، إلى دعمه الكامل لتبني الذكاء الاصطناعي داخل الوزارة، مؤكداً أنه متابع ومهتم بهذه الخطوة.

التحديات في ربط الجامعات بالابتكار الدفاعي

لفت انتباهنا أيضاً صراحة الدكتور فالح السليمان، محافظ هيئة التطوير الدفاعي، عندما تطرق إلى مخرجات الجامعات، مشيراً إلى أن الكثير من الأبحاث ما زالت محصورة في الإطار النظري دون تحويلها إلى منتجات أو حلول ملموسة. وأكد أن المشكلة ليست في الإمكانات بل في الهيكل التنظيمي.

ورغم الجهود التي تبذلها الهيئة من حاضنات ومسرعات وشراكات مع الجامعات، يبقى العائق الأساسي هو ثقافة البحث الجامعي التي لا تشجع على الابتكار العملي. وقد استشهد بالمقولة الشعبية التي تقول: «يمكنك أن تأخذ الحصان إلى الماء، لكن لا تستطيع أن تجبره على الشرب» لتوضيح حدّية المسألة.

وفي عام 2026، لا يزال عدد الأبحاث ذات الأثر العملي القابل للتطبيق محدوداً، مع استثناءات قليلة من بعض المؤسسات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وتظهر الفجوة عندما يُقارن نظام الحوافز في الجامعات السعودية مع ما تتبعه مؤسسات عالمية كـهارفارد وMIT، حيث تُمنح البراءات أو المشاريع الناجحة حوافز مالية وعلمية واضحة.

أوضح أن عدم وجود حوافز حقيقية يدفع الأكاديميين إلى التركيز على النشر في مجلات غير معروفة بدلاً من السعي لتطبيق ابتكاراتهم على أرض الواقع. بينما في جامعات رائدة عالميًا، يحصل الباحث على نسبة قد تصل إلى 33 % من العوائد التجارية للمنتج.

ختاماً، وجهنا نصيحة إلى هيئة التطوير الدفاعي بالاستمرار في دعم الجامعات، لكن دون الاعتماد الكلي عليها في الوقت الحالي. ودعانا إلى تعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا جنوبية، حيث غالباً ما تكون الشراكات الإقليمية أكثر فاعلية وأقل تعقيداً من التعاون مع الشركاء الغربيين الذين غالباً ما يضعون قيوداً على نقل التكنولوجيا.

إن بناء قدرات محلية وإقليمية قوية، مع الحفاظ على الشراكات الغربية كمكمل وليس كأساس، يمثل الاستراتيجية المثلى لضمان تطور دفاعي مستدام.