في مدينة حائل، التي شكّل جبلها ملامحها ومنحتها صحراؤها اتساع الأفق، وارتبط اسمها بالكرم، تنهض المنطقة المركزية بوصفها قلباً حضرياً جديداً للمدينة. فالمشروع الممتد على مساحة تتجاوز 700 ألف متر مربع، يجاور قصر القشلة وقلعة أعيرف، ويجمع بين لغة الضوء والماء، ويحوّل «ليالي حائل» إلى مهرجان مستدام وتجربة حضرية متكاملة، في إطار رؤية تواكب برامج ومستهدفات رؤية السعودية 2030، لتجعل المدينة مسرحاً للحياة وأقرب إلى أهلها وأكثر استجابة لاحتياجات الأسر والشباب، وأوسع أفقاً للتجار والمستثمرين.
هوية عمرانية تعيد تشكيل وسط المدينة
مع اكتمال الملامح النهائية لمشروع تطوير المنطقة المركزية في حائل، بكلفة تقارب 268 مليون ريال، تتبلور هوية عمرانية تهدف إلى تعزيز الشخصية المعمارية وإبراز الهوية التراثية وتحسين الصورة البصرية، إضافة إلى رفع مستوى الخدمات البلدية وتوفير مرافق جمالية متطورة وتوسيع المسطحات الخضراء.
وتكشف أرقام المشروع حجم التحول؛ إذ يضم 1500 موقف للسيارات، وتطويراً للطرق بطول 9 كيلومترات، و14 كيلومتراً من مسارات المشاة، و8 كيلومترات لمسارات الدراجات، إضافة إلى مسرح مكشوف على مساحة 13 ألف متر مربع، ونوافير تفاعلية على مساحة 12 ألف متر مربع، ضمن منظومة تشغيل حضرية متكاملة تعيد تشكيل وسط المدينة.
ويقوم الرهان على ثلاث تحولات مترابطة؛ الأولى تحويل وسط حائل من ممر للعبور إلى مقصد للإقامة والتجربة، وربطه بشبكة مسارات المشاة والدراجات. الثانية ربط التاريخ الحائلي بمعالمه البارزة مثل القشلة وبرزان وقلعة أعيرف، وبالإرث العالمي لمواقع جُبّة والشويمس، باقتصاد حديث تقوده الفعاليات والمطاعم والتجزئة والحرف والمحتوى الرقمي وريادة الأعمال. الثالثة توحيد لافتات المباني لتحسين المشهد البصري للواجهات التجارية والسكنية، ودعم الحرف اليدوية والتراثية.
متابعة رسمية وتنفيذ هندسي متكامل
يأتي المشروع ثمرة قيادة إقليمية ومؤسسية واضحة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. ويتجسد ذلك في متابعة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز أمير منطقة حائل للمشروع منذ التصاميم الأولية ووضع حجر الأساس، مروراً بالجولات الميدانية للوقوف على نسب الإنجاز، إذ تفقد سموه عناصر الإنارة والكهرباء والمباني والنوافير وتصريف الأمطار والصرف الصحي والخزان الأرضي والمسرح والتشجير.
وتحمل أمانة منطقة حائل المسؤولية التنفيذية والهندسية للمشروع، بقيادة أمين المنطقة المهندس سلطان بن حامد الزايدي، وبشراكة مع برنامج جودة الحياة، بدءاً من إعداد التصور المتكامل للوسط، مروراً بالإشراف على شبكات البنية التحتية والطرق والأرصفة والإنارة والري والخزانات والمساحات الخضراء، ووصولاً إلى العناصر الترفيهية.
ويتميز المشروع بموقعه الاستراتيجي وسط المدينة، شمال مبنى إمارة المنطقة، بين شارع غطاط من الشمال وشارع الرياض من الجنوب وشارع الأمير فهد بن سعد من الشرق وطريق الملك عبدالعزيز من الغرب، بينما يشق طريق الملك فيصل قلب منطقة التطوير. وهذا الموقع يجعله نقطة وصل بين المركز الإداري والوسط التاريخي، وبين الحركة اليومية والمشهد الثقافي، وبين الطرق الرئيسية والأسواق المحيطة.
وتشمل الرؤية التخطيطية التي أعلنتها الأمانة، تنظيم حركة التجارة والأسواق، وربط المناطق الخضراء والحدائق بالوسط التاريخي ومشروعات تطوير قصر القشلة وقلعة أعيرف، وإعادة تنظيم الأرصفة واتجاهات بعض الشوارع، وتخصيص شوارع للمشاة كلياً أو في فترات المساء، ودعم الحرف التراثية، مع ما يلزم من تهيئة الموقع والأسفلت والأرصفة والإنارة وشبكات الكهرباء وتصريف مياه الأمطار والصرف الصحي والخزان الأرضي والري الذكي والتشجير، إلى جانب المباني والخدمات والعناصر الترفيهية.
أنسنة المكان واقتصاد المستقبل
يسهم المشروع في «أنسنة المدينة» عبر تغيير الأولويات؛ إذ تتراجع السيارة خطوة للأمام ليأخذ الإنسان مكانه، من خلال مسارات المشاة والدراجات التي تبلغ نحو 32 كيلومتراً، إلى جانب المسطحات الخضراء والجلسات ومناطق لعب الأطفال في قلب المدينة. وتعمل هذه المساحات على تعزيز النشاط البدني ودعم الصحة النفسية، وتقوية الجوانب الاجتماعية والترفيهية والرياضية والسياحية للأسر والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، كما تسهم في الاقتصاد المحلي.
وتتجاوز القيمة الاجتماعية للمشروع حدود الترفيه؛ فهو يوفر للأسر مساحة آمنة من دون إنفاق مرتفع، ويمنح الشباب فضاءات للحركة والرياضة وصناعة المحتوى، بما يحقق مفهوم «رأس المال الاجتماعي للمكان».
وعلى المستوى الاقتصادي، يتحول كل وقت إضافي يمضيه الزائر إلى مشتريات، والمشاهدة إلى تجربة، والتجربة إلى توصية وعودة، فتكون المنطقة مركزاً للطلب الحضري تتصل به المطاعم والمقاهي والتجزئة والحرف والنقل والإيواء وتنظيم الفعاليات والإنتاج الإعلامي والخدمات التقنية.
ويمتلك السوق الحائلي قاعدة قوية للانطلاق، إذ بلغ عدد السجلات والاشتراكات النشطة في غرفة حائل نحو 32,155 بنهاية عام 2024م، بنمو قدره 28.08% عن العام السابق، مقارنة بـ17,445 سجلاً في عام 2019م. وتمنح هذه القاعدة المنطقة المركزية شبكة جاهزة من المطاعم والمقاهي والمتاجر والخدمات والموردين، إلى جانب فرص حقيقية للمنشآت الصغيرة والأسر المنتجة والحرفيين.
ويشكل اقتصاد الفعاليات سلسلة مترابطة: برنامج جذاب يولّد زيارة، والزيارة ترفع الإقامة والإنفاق، والإنفاق يشجع الاستثمار، والاستثمار يحسّن العرض ويخلق عملاً، ثم يعود العرض المحسّن لإنتاج زيارة جديدة. وهذا الدور المأمول لفعاليات «ليالي حائل» التي تتجه لتكون روزنامة سنوية ذات مواسم وهوية ومحتوى متجدد.
«ليالي حائل» وعوائد تنموية واسعة
أعلنت أمانة منطقة حائل قرب انطلاق تجارب «ليالي حائل» في المنطقة المركزية، وتضم «مهرجان الصوت والضوء»، و«ليالي الخليج»، و«ليالي العرب»، و«ليالي القارات الخمس». ويعمل مهرجان الصوت والضوء على تحويل العمارة والماء والفضاء إلى وسيط سردي يقرّب الزائر من قصة المكان عبر إيقاع بصري وسمعي، وبما يتيح بناء عروض ذات طابع حائلي تربط الماضي بالحاضر، مع موسيقى مستلهمة من المكان وصورة بصرية تحفظ جلال التراث، كما يشكل محتوى عالي القابلية للتصوير والمشاركة ليتجاوز أثره الحضور إلى جمهور رقمي أوسع.
وتخاطب «ليالي الخليج» بيئة قريبة من حائل في الذائقة والعادات والمسافة، وتمنح المدينة فرصة لبناء جسور بين الفنون والمأكولات والحرف والتجارب الإبداعية الخليجية، بما يدعم سياحة العطلات القصيرة والتعاون بين منظمي الفعاليات والمنشآت الإبداعية في دول مجلس التعاون الخليجي.
كما توسّع «ليالي العرب» المجال من الجوار الخليجي إلى الفضاء العربي، بلغة واحدة وذاكرات متعددة، وفنون تمتد من الموسيقى والمسرح إلى الأدب والمأكولات والحرف، بما يمنح حائل حضوراً في الحوار الثقافي العربي ويصنع مادة إعلامية قادرة على عبور الحدود.
وتفتح «ليالي القارات الخمس» أبواب حائل على العالم، وتمنح المشروع بُعده الدولي، وتخاطب الزائر والمقيم معاً، مقدمة ثقافات العالم في تجارب إنسانية راقية، ومعيدة تقديم حائل للعالم من قلبها، بما يحوّل المكان إلى جسر ثقافي بطابع عالمي.
ولحائل رصيد سياحي واسع يمتد من طبيعة النفود والجبال إلى ذاكرة الكرم وأرض القوافل، وقصور المدينة وقلاعها وفنونها ومطبخها، ومنها مواقع الفن الصخري في جُبّة والشويمس المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ 2015، وتوثق وفقاً لمنظمة اليونسكو تعبيرات بشرية يعود عمرها إلى قرابة عشرة آلاف عام. ويمكن للمنطقة المركزية أن تكون «بوابة الوجهة»، حيث يلتقي الزائر ليلاً بالهوية الحائلية ويحصل على معلومات ومسارات وحجوزات تقوده نهاراً إلى المواقع التراثية والطبيعية، ثم يعود إلى مطعم أو عرض أو سوق حرفي، وبهذا التكامل ترتفع مدة الإقامة ويتوزع الإنفاق على قطاعات أوسع. كما يمكن قياس أثر المشروع عبر مقارنة معدلات الإشغال والإنفاق ومدة الإقامة في أسابيع الفعاليات بما يماثلها خارجها.
ويقدم المشروع على المستوى الوطني ترجمة محلية لثلاثة مستهدفات كبرى: رفع جودة الحياة، وزيادة جاذبية السياحة الداخلية، وتوسيع مساهمة الأنشطة غير النفطية، مع خبرة قابلة للتعلم في تجديد مراكز المدن المتوسطة من دون نقل الحياة إلى الأطراف.
وبالنسبة لمنطقة حائل، يمنح المشروع علامة حضرية جديدة تساعد على استقطاب الفعاليات والاستثمارات ورفع مدة إقامة الزائر، وهو أمر بالغ الأهمية لمنطقة يسكنها نحو 746,406 نسمة وفق تعداد 2022، وتمتد على نحو 120 ألف كيلومتر مربع، بما يعادل 6.1% من مساحة المملكة. وفي هذا الامتداد الواسع، يمكن لقلب حضري قوي أن يعمل كمقصد جامع للخدمات والثقافة والأعمال والضيافة.
وبالنسبة للمواطن والأسرة، يتمثل العائد في مساحة آمنة للحركة والترفيه واللقاء، وصحة أفضل وخيارات أكثر تنوعاً. وللمقيم، يوفّر المشروع فرصة للاندماج في الحياة العامة ورؤية ثقافته ضمن «ليالي القارات الخمس»، فيما يفتح للشباب أبواب العمل والريادة عبر الفعاليات والمحتوى الرقمي والخدمات التقنية، ويعني للتاجر حركة تجارية أوسع وزبائن أكثر وساعات نشاط أطول، وللمستثمر بنية مكتملة وهوية واضحة وكثافة زوار، كما يتيح للحرفي والأسرة المنتجة فرصة لتحويل المعرفة المحلية إلى دخل مستدام.
ومع افتتاح المنطقة المركزية بحائل برعاية إمارة المنطقة وجهود أمانتها، تستيقظ المدينة على قلب حضري نابض، وتُشيد جسراً من الحداثة يصل عراقة الأمس بطموح الغد، وتكتب في وسطها قصيدة عمرانية قافيتها الإنسان وعنوانها جودة الحياة، لتكون منارة للجمال ومنصة للاستثمار ووجهة مثالية للعائلة والشباب تفتح أبوابها للعالم: هنا ينبض العمران، ويكبر الإمكان، وتصبح الرؤية واقعاً يراه الإنسان.






