عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

تمكين الكفاءات الصحية في القطاع الخاص: من التوظيف إلى صناعة القيمة

18/06/2026 09:04

المسألة الجوهرية ليست عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص، بل حجم القيمة التي يضيفونها ومدى تمثيلهم في المناصب القيادية التي تشرف على التشغيل والابتكار.

تحول القطاع الصحي الخاص إلى مرحلة جديدة

يشهد القطاع الصحي الخاص في المملكة مرحلة تحول تختلف عن ما كان عليه سابقًا، خاصة بعد دخول شركة الصحة القابضة إلى الساحة. لم تعد المنافسة تتركز على المباني أو الأجهزة أو المواقع، بل انتقلت إلى ساحة الكفاءات. وعلى الرغم من أن المملكة تنتج آلاف الخريجين والأطباء والمتخصصين في المجال الصحي، لا يزال بعض الجهات تعتبر توطين الموظفين مجرد التزام تنظيمي دون أن يراها فرصة استراتيجية.

من شغل الوظيفة إلى بناء المسار المهني

التمكين الحقيقي يتحقق عندما نتحول من فكرة “ملء الوظيفة” إلى مفهوم “تطوير المسار الوظيفي”. كثير من الكوادر السعودية لا يغادرن القطاع الخاص بسبب الرواتب فقط، بل بسبب غياب رؤية واضحة لمستقبلهم المهني. الموظف الذي لا يدرك ما سيصبح عليه بعد خمس سنوات، غالبًا ما يفتقر إلى الدافع للبقاء حتى نهاية العام الحالي.

ثلاثة مسارات مقترحة للمرحلة القادمة

تتضمن المرحلة المقبلة ثلاثة مسارات متوازية قابلة للتنفيذ:

المسار الأول: ربط التوطين بالتطوير وليس بالتوظيف فقط. يمكن للهيئات التنظيمية منح حوافز إضافية للمؤسسات التي تثبت نجاحها في صقل الكفاءات السعودية مهنياً، وليس فقط في توظيفها. يجب أن تُكافأ المؤسسة التي تؤهل قيادات وطنية وتدير برامج زمالة وتدريب متقدمة بصورة مختلفة عن تلك التي تحقق نسب توطين شكلية.

المسار الثاني: إنشاء مسارات قيادية وطنية داخل القطاع الخاص. تمتلك العديد من المستشفيات برامج لتطوير الكفاءات السريرية، لكنها تفتقر إلى برامج إعداد القادة. لماذا لا تُطلق برامج مشتركة بين التجمعات الصحية والقطاع الخاص وشركات التأمين لتأهيل المدير الطبي القادم أو الرئيس التنفيذي أو مدير الجودة؟ إن الاستثمار في القادة اليوم سيحدد ملامح القطاع بعد عقد من الزمن.

المسار الثالث: الانتقال من مجرد توظيف إلى شراكة فعلية. الكوادر السعودية لا تبحث عن وظيفة فقط، بل عن فرصة للمشاركة في اتخاذ القرار وتحقيق الإنجاز. يمكن للقطاع الخاص تبني نماذج جديدة تشمل حوافز مرتبطة بالأداء، وبرامج للابتكار، ومشاركة في مشاريع تطويرية، مما يعزز شعور الانتماء والملكية المهنية.

رؤية متوسطة وبعيدة المدى

على المدى المتوسط، تحتاج المملكة إلى منصة وطنية موحدة ترصد حركة الكفاءات الصحية بين القطاعات المختلفة. نعرف اليوم عدد الخريجين، لكننا نفتقر إلى صورة دقيقة حول دوافع انتقالهم أو بقائهم أو خروجهم من سوق العمل. إن وضع سياسات فعالة يبدأ دائمًا ببيانات دقيقة.

أما على المدى البعيد، فيجب أن يصبح تصدير الخبرات الصحية هدفًا وطنيًا بحد ذاته. إذا نجحنا في بناء كوادر قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا، فإننا لا نعالج مجرد مسألة التوظيف، بل نؤسس لصناعة معرفة صحية سعودية تمتد آثارها إلى خارج حدود المملكة.

إن تمكين الكفاءات الصحية السعودية لا يقتصر على ملف الموارد البشرية، بل هو مشروع وطني يرتبط بجودة الرعاية الصحية، واستدامة القطاع، وقدرته على المنافسة. لا يتحقق النجاح عندما نصل إلى نسبة توطين معينة، بل عندما تصبح الكفاءة السعودية الخيار الأول بفضل قدرتها على الإنجاز والابتكار والقيادة.