عاجل
١٠ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 26 يوليو 2026
الرياض +12°C

مبادرة الشريك الأدبي تحوّل الثقافة إلى عادة يومية في المملكة

26/07/2026 01:01

تقاس التحولات الكبرى في المجتمعات بقدرتها على تغيير السلوك اليومي أكثر من قدرتها على تنظيم المناسبات، فالحدث ينتهي بانتهاء وقته، أما الأثر فيبدأ حين يتحول إلى ممارسة متكررة وعادة يندمج فيها الناس دون تكلف. من هذا المنطلق يمكن النظر إلى مبادرة الشريك الأدبي، التي يقترب موسمها الخامس من الإعلان عن حصاده، باعتبارها واحدة من التجارب التي ساهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والثقافة.

نموذج مختلف للعمل الثقافي

اعتادت المشاريع الثقافية في كثير من التجارب حول العالم أن تنطلق من المؤسسة وتتجه إلى الجمهور، أما التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة فقد سلكت مساراً مختلفاً يقوم على توسيع دائرة الشركاء وإفساح المجال للمجتمع ليكون جزءاً من صناعة الحراك الثقافي، وليس مجرد متلقٍ له. وجاءت مبادرة الشريك الأدبي كترجمة عملية لهذا التوجه، عبر تمكين المقاهي ودور النشر والجمعيات والأندية والمساحات الإبداعية من تصميم برامجها الأدبية وتقديمها ضمن إطار مؤسسي يجمع بين الجودة والتنوع.

أرقام تعكس اتساع الرقعة الثقافية

تكشف الأرقام التي أعلنتها هيئة الأدب والنشر والترجمة عن اتساع هذا النموذج، فقد سجل الموسم الخامس نمواً بلغ 175% في عدد الشركاء، و92% في عدد الفعاليات، و290% في حجم المساهمات، و256% في عدد المستفيدين، بمشاركة 119 مقهى، و53 نادي هواة، و24 جمعية، و13 دار نشر، و11 مساحة عمل مشتركة. تمثل هذه المؤشرات صورة واضحة لاتساع الرقعة الثقافية وارتفاع مستوى المشاركة المجتمعية في إنتاج الأنشطة الأدبية واستضافتها.

ومع أهمية هذه المؤشرات، فإن قيمتها الحقيقية تكمن فيما تعكسه من تحول في مفهوم العمل الثقافي. فالثقافة تزدهر عندما تتعدد مسارات الوصول إليها، وعندما تتوزع منصاتها بين المدن والأحياء، وعندما تصبح الأمسية الأدبية جزءاً من المشهد اليومي للإنسان. عندها تتغير طبيعة العلاقة مع الكتاب، ويتحول الحوار الثقافي إلى نشاط اجتماعي يشارك فيه طلاب الجامعات والموظفون ورواد المقاهي والأسر والمهتمون بالأدب، في مشهد تتسع فيه دوائر المشاركة عاماً بعد آخر.

انسجام مع الاستراتيجية الوطنية للثقافة

تنسجم هذه الرؤية مع الاستراتيجية الوطنية للثقافة التي أطلقتها وزارة الثقافة، والتي جعلت المشاركة المجتمعية أحد محركات التنمية الثقافية، إلى جانب تطوير صناعتها ورفع معدلات الممارسة الثقافية وتعزيز مساهمة القطاعين الخاص وغير الربحي في بناء المشهد الثقافي. وتعكس التقارير السنوية للوزارة هذا المسار من خلال النمو المستمر في المبادرات والشراكات والفعاليات التي شهدتها مختلف مناطق المملكة، مما يؤكد أن التنمية الثقافية أصبحت مشروعاً تشارك فيه مؤسسات المجتمع إلى جانب الجهات الحكومية.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في تجربة الشريك الأدبي أنها قدمت نموذجاً مختلفاً للمكان الثقافي، فالمقهى أصبح مساحة للحوار والقراءة، ودار النشر تحولت إلى مركز للقاءات الفكرية، والجمعية الأهلية احتضنت برامج أدبية، والمساحات المشتركة استقبلت ورش الكتابة والنقاش. وبهذا التنوع نشأت شبكة واسعة من المنصات الصغيرة التي تشكل مجتمعة بنية ثقافية مرنة قادرة على الوصول إلى جمهور متنوع.

أثر اقتصادي واجتماعي

من الطبيعي أن ينعكس هذا الحراك على الاقتصاد الثقافي أيضاً، فكل فعالية أدبية تنشط حركة الكتاب وتدعم دور النشر وتخلق فرصاً للمبدعين وتفتح مجالات جديدة لصناعة المحتوى والخدمات الثقافية. تكتسب هذه الآثار أهمية خاصة في ظل توجه المملكة نحو تنمية القطاعات الثقافية بوصفها أحد روافد الاقتصاد الوطني ومصدراً للوظائف ومحفزاً للابتكار. وفي جانب آخر، تبرز قيمة المبادرة في استثمارها لرأس المال الاجتماعي، فاللقاءات الأدبية والأندية القرائية وورش الكتابة وحفلات توقيع الكتب تصنع روابط جديدة بين الناس، وتمنح المواهب الشابة منصات للظهور، وتوفر للكتاب فرصة للاحتكاك المباشر بقرائهم. وهذه العلاقة الإنسانية تمثل أحد أهم عناصر استدامة أي مشروع ثقافي، لأنها تنشئ مجتمعاً يشارك في إنتاج الثقافة ويمنحها القدرة على التجدد.

ومع اقتراب إعلان نتائج الموسم الخامس، تبدو الجوائز محطة من محطات هذه التجربة، بينما يبقى أثرها الأوسع في ترسيخ ثقافة الشراكة وتوسيع حضور الأدب في الحياة العامة وبناء بيئة يجد فيها كل مهتم بالكتاب نافذة قريبة يستطيع أن يبدأ منها رحلته مع القراءة والإبداع.

إن التجارب الثقافية الأكثر رسوخاً هي تلك التي تنجح في تحويل الثقافة إلى جزء من الحياة اليومية، وهذا ما تمنحه مبادرة الشريك الأدبي للمشهد الثقافي السعودي؛ فهي تفتح المجال أمام المجتمع ليشارك في صناعة المعرفة، وتمنح الأدب حضوراً طبيعياً في المدن والأحياء، وتؤسس لمسار ثقافي يتسع مع الزمن، مستنداً إلى الشراكة، ومتجهاً نحو الاستدامة، ومتوافقاً مع الرؤية التي جعلت الثقافة أحد مكونات التنمية الوطنية.