عاجل
٢٩ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 15 يوليو 2026
الرياض +13°C

المستهدفات في الأنظمة الصحية: بين الطموح والواقع

29/06/2026 09:01

إنّ ظاهرة تحويل الأهداف إلى أدوات رئيسية في إدارة الخدمات الصحية ليست حكراً على جهة واحدة، بل تتجلى بأشكال متعددة في أنظمة صحية مختلفة حول العالم. بعد سنوات من التجربة، أدركت بعض هذه الأنظمة أن التركيز المفرط على الأرقام قد يتحول إلى عائق إذا ما انقلبت عن الغاية التي صُنعت من أجلها.

مثال من المملكة المتحدة

في إطار نظام الصحة الوطني البريطاني (NHS)، تم تحديد مؤشرات صارمة لوقت الانتظار في أقسام الطوارئ. أدت هذه المعايير إلى تحسين ملحوظ في الإحصاءات الرسمية على المدى القريب. إلا أن المتابعة اللاحقة أظهرت أن بعض المستشفيات لجأت إلى إبقاء سيارات الإسعاف خارج مداخل الأقسام حتى لا يُحتسب وقت وصول المرضى ضمن الإطار الزمني المحدد. وبذلك، ارتفعت الأرقام على الورق بينما استمر المرضى في الانتظار خارج الأبواب، ما كشف عن فجوة بين تحسين المؤشر والواقع الفعلي.

مبدأ الإدارة: عندما يصبح المقياس هدفاً

صاغ الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت مبدأً شائعاً في أوساط الإدارة الحديثة: «عندما يتحول المقياس إلى هدف، يفقد فعاليته كمؤشر». لا يكمن الخطأ في البيانات نفسها، بل في سلوك المؤسسات التي تبدأ في تعديل سلوكها لتتناسب مع الرقم بدلاً من تعديل سلوكها لتحقيق الغاية التي كان الرقم يقيسها. وبالتالي يبرز سؤال جوهري: ما السلوك الذي نسعى إلى تعزيزه؟ فالمستهدفات لا تغير الهيكلية مباشرة، بل تُعيد تشكيل سلوك العاملين داخلها.

التحديات في تطبيق المستهدفات

عندما تُصمم الأهداف بعناية، تدفع الجميع نحو تحسين الخدمة. أما إذا انفصلت عن واقع الممارسة، فقد يتجه الموظفون إلى تحسين الرقم فقط دون تحسين جودة الرعاية. المشكلة لا تبدأ بمجرد قياس الأداء، بل عندما يتحول تحقيق الرقم إلى غاية بحد ذاتها، منفصلاً عن الغاية الأصلية. المستهدفات التي تُوضع دون مراعاة للقدرات المتاحة أو لتنوع البيئات الصحية قد لا تُثمر أداءً متميزاً، وقد تولد إحباطاً كبيراً.

دروس من التجربة السعودية

في المملكة العربية السعودية، أُدرجت ثقافة الأداء كجزء أساسي من مسيرة التحول الصحي، ما يعكس التزاماً واضحاً برفع الجودة وتعزيز الكفاءة وترسيخ مبدأ المساءلة. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم ليس مجرد القياس، بل ما الذي يفعله الفريق عندما يشعر أن الهدف أصبح بعيداً عن قدراته. نجاح المرحلة القادمة سيعتمد على جودة صياغة الأهداف، عدالة تطبيقها، ارتباطها بواقع العمل، وتوفير الموارد اللازمة لتحقيقها، بالإضافة إلى الاستعداد لتعديلها عندما يُظهر الواقع عدم ملاءمتها.

تتسم الأنظمة الصحية الأكثر نضجاً بتعاملها مع المستهدفات كأدوات تعليمية، لا كقرارات نهائية ثابتة. تُراجع باستمرار، وتُفسّر في سياقها، وتُستَخدم لفهم الواقع لا لاستبداله. فإذا صارت مسألة تحسين الرقم هي الغاية الوحيدة، قد تبدو التقارير أكثر إشراقاً بينما لا يشعر المريض بأي تغيير؛ فالمريض يعيش النتائج، لا داخل المستهدفات.