أكد ولي العهد -حفظه الله- أن الله تعالى شرّف المملكة بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديها من حجاج ومعتمرين وزوار، وأن المملكة وضعت ذلك في مقدمة اهتماماتها. وأشار إلى أن هذه الكلمات تجاوزت كونها حروفًا لتصبح طاقة ومحركًا ملهمًا لأبناء الوطن، الذين يعملون يدًا واحدة في خدمة البيت وقاصديه.
شرف المكان واصطفاء الله
ليست كل الأوطان تُمنح الجغرافيا ذاتها، ولا كل الأمكنة تُرزق المعنى نفسه. فهناك بقاع اصطفاها الله من بين الأرض لتكون موضع النور ومهوى الأفئدة ومجتمع الأرواح، تحمل في قلبها شرف الخدمة وتباهي بعهد العناية، وتسامق النجم في عليائه لتتجاوز السمو بسمو هذا البيت، وتختصر قصة الشرف في أحرف معدودة: خدمة الحرمين.
الخدمة رسالة عابرة للزمن
خدمة الحرمين هي صيانة للتجربة الروحية للإنسان وحماية لتلك اللحظة التي ينفصل فيها القلب عن صخب الأرض ليقف خاشعًا في حضرة المعنى الأكبر. ولهذا تمثلت العناية بضيوف الرحمن عهدًا ممتدًا في وجدان هذه البلاد وقادتها، تتوارثه كما يُتوارث الشرف العظيم. أعظم ما يميز هذه الخدمة أنها بُنيت على الإيمان العميق بقيمة هذا الاصطفاء، فالإنسان حين يخدم أمرًا بهذه القدسية تختلف روحه في الأداء، ويتحول العمل من مهمة إلى رسالة. ولهذا نرى تلك العناية التي تتجاوز ظاهر التنظيم إلى فلسفة متكاملة تجعل من رحلة الحاج والمعتمر تجربة يختلط فيها الأمن بالسكينة، والنظام بالرحمة، والتقنية بروح الضيافة.
موسم الحج: مشهد التساوي والطمأنينة
في موسم الحج يتراءى مشهد واحد تتساوى فيه الأرواح كما تتساوى الخطى حول البيت العتيق. وهنا تتجلى عظمة الرسالة، إذ تتحول المملكة إلى قلب نابض يستقبل هذا الامتداد البشري الهائل ويحمله برفق ويؤمّن له الطمأنينة ويمنحه فرصة أن يعيش عبادته في أصفى صورها.
رحلة تطوير لا تعرف النهاية
في مثل هذا التوقيت من كل عام، نتجاذب الحديث قدرًا مع التاريخ ونصافح صورة الأمس لندرك حقيقة اليوم. منذ بدأت رحلة العناية على أيدي أولئك الملوك -رحمهم الله-، وحتى اليوم بيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله-، ونحن نحس الفرق في كل موسم حج، وكأن رحلة التطوير وخطوات التحديث رحلة كُتبت لها البداية ولن تُكتب لها النهاية. فهي عملية مستمرة لتجد نفسك أمام سياق متجدد بالفطرة، وتجربة العام ليست تجربة اليوم، وحتمًا تجربة المستقبل لن تكون تجربة اليوم. وهذا تفسير إيمان القيادة بعظمة المقصد، وأن التيسير على قاصدي البيت الحرام امتداد لمعنى الرحمة التي قام عليها هذا الدين العظيم. فجاءت التحولات الكبرى التي يشهدها الحرمان والمشاعر المقدسة انعكاسًا لتلك الفلسفة.
هذا المشهد يخدم صورة الإسلام ذاتها؛ ذلك الإسلام الذي يقوم على السكينة والكرامة الإنسانية والعناية بالإنسان قبل كل شيء. ولهذا يصبح كل نجاح في إدارة الحشود، وكل لحظة أمن يعيشها الحاج، وكل دعاء يُرفع في طمأنينة، شاهدًا حيًا على أن هذه الخدمة رسالة تحمل بعدها الإيماني والإنساني معًا.
ختامًا، حين يُكتب لهذه البلاد شرف الحرمين وخدمتها، فهي على الحقيقة تحمل قيمة المعنى وتقوم على خدمة كلما عظمت مشقتها ازداد نورها، لأنها خدمة تبدأ من الأرض وتنتهي في السماء.






