لا يزال الموروث الشعبي في العالم العربي ينظر إلى بكاء الرجل باعتباره خروجاً عن صورة القوة والصلابة والتحمل التي تُفرض على الذكور منذ الصغر. هذا الإرث الثقافي حصر التفريغ الانفعالي عبر الدموع في خانة الأنثى فقط، مكبّتاً بذلك جانباً مهماً من التعبير العاطفي لدى الرجال.
الرجال يمتلكون مشاعر مثل النساء
تشير الدراسات العلمية إلى أن الرجل يمتلك من الإحساس والوجدان ما تملكه المرأة تماماً، وأن جميع البشر يحتاجون إلى التخلص من المشاعر السلبية لتجاوزها والانتقال إلى تحديات الحياة الجديدة. غير أن بعض الأعراف والعوائق الاجتماعية أصبحت حجر عثرة يحول دون معايشة الشعور الإنساني بشكل طبيعي، بل إن كثيراً من الآباء يحرصون على تربية أبنائهم الذكور بعبارات مثل: “لا تبكِ، أنت رجل”. من المهم هنا التأكيد على أن اختزال المشاعر وإخفاءها خلف قناع الرجولة يؤدي حتماً إلى أمراض نفسية لا تُرى بالعين المجردة.
الجفاف العاطفي والحاجة إلى التعبير الواقعي
الجفاف العاطفي الذي يعاني منه الرجل الشرقي يحتاج إلى أنهار تروي ينابيعه، ليعيش ويعايش ذاته بشعور واقعي ينسجم مع مرحلة اللاشعور ويستوعب كل ما تقتضيه زوايا تلك المرحلة. فالرجل جسد من دم ومشاعر وأحاسيس، وليس مجرد كيان صلب بلا وجدان. الغريب أن المجتمع يتقبل دموع الرجل في حالات الفرح أكثر من تقبله لها في لحظات الحزن، مما يخلق إشكالية جديدة: يبدو أننا نرفض أن يواجه الرجل الحزن بقبول واقعي طبيعي، وهذا يدفعه إلى كبت انفعالاته في سلة اللاشعور، لتتفجر لاحقاً على هيئة أمراض نفسية جسدية. ولو أتيح للرجل تفريغ هذه الانفعالات بالدموع فوراً ودون تحفظ، لقلَّ حجم التعب النفسي الداخلي بشكل كبير.
الفوائد العلمية للدموع وتأصيلها الديني
يجهل الكثير من الناس الفوائد العلمية للدموع، فهي تحافظ على صحة العين وتحميها من الجفاف الذي قد يؤدي إلى العمى، وتساعد على ارتخاء العضلات، وتنظف طبقة القرنية من الغبار والشوائب. كما تحتوي الدموع على نوع من البروتينات التي تعين العين على مقاومة الأمراض، وتساعد في إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يحسّن المزاج. وكلما كان الإيمان بالله عظيماً ووثيقاً، كانت العين رفيقة الدمع، كما قال تعالى في سورة المائدة: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع). وتلك رسالة واضحة تبيّن العلاقة بين الموقف ورد الفعل والاستجابة الخالية من الحواجز الاجتماعية أو التقليدية. فالدمع، مثل الابتسامة، وسيلة تعبير من لوازم الملامح في التواصل مع الآخرين، ولا ينبغي أن يُنظر إليه كعلامة ضعف لدى الرجال.






