عاجل
٢٩ صفر ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 14 أغسطس 2026
الرياض +15°C

النقد الثقافي ورواية الحديث: إشكاليات التطبيق على التراث النبوي

17/07/2026 01:02

فوكو والنقد الثقافي: الرياضيات للديموقراطية والهندسة للأوليغارشية

استشهد ميشيل فوكو بمثال غريب أقرب إلى التبسيط منه إلى التحليل العلمي، إذ قال: “لنذكّر هنا، بشكل رمزي فقط، بالمبدأ الإغريقيّ: إن الرياضيات يمكن أن تكون من مهام المُدن الديموقراطية؛ لأنها تعلّم علاقات المساواة، ولكن الهندسة يجب أن تعلّم فقط في الأوليغارشيات؛ لأنها تبرهن على النسب ضمن عدم التساوي”! بموجب هذا الطرح، تصبح طرق التفكير البشري حتى في العلوم الصرفة نتاجاً للتشكيل السلطوي السائد في المجتمع، فالرياضيات لا تصلح إلا للمجتمعات الديموقراطية القائمة على المساواة، بينما الهندسة مخصصة للأوليغارشيات لأنها تقوم على مبدأ النِسب. وقد التزم فوكو بشرطه الرمزي دون أن يخضع هذه المجتمعات لنقد تصحيحي، متجاهلاً معنى الديموقراطية في ذلك الزمن. وهذا يتعلق بتشكيل الذوات انطلاقاً من أبسط العلاقات ومعيارها الأساسي: التساوي واللاتساوي.

إشكالية تطبيق النقد الثقافي على الحديث النبوي

سبق أن أشرنا في مقال سابق إلى الإشكالية التي تثيرها هذه الآلية عند إسقاطها على نص الحديث النبوي. فعند النظر إلى الحديث النبوي، نجد أن تشكل الذوات في أصله لا يمكن أن يتوافق مع جانب الرواية إلا من خلال التأسيس الخُلقي القائم على علاقات المساواة والتمايز بالفضائل المعنوية والدينية والذهنية لجميع البشر، دون أي تحكم سلطوي سابق. بل إن المحدثين كانوا يواجهون سلطات متعددة ويحفظون ما ينقلونه رغم ما يواجهونه من تقلبات زمنية تجعلهم أحياناً على الهامش وأحياناً في المركز، عند إسقاط هذه الآلية جزافاً. وتدخل توجهات الذوات بشكل واضح عندما ننتقل إلى مجال “الدراية”.

النص والخطاب: من الرواية إلى التأويل

أما من ناحية شق الممارسة الخطابية، فإذا تجاوزنا الافتراض الأول وقلنا إن الذوات تشكلت على مبدأ اللاتكافؤ، فإن الرواية في مرحلة “النصّ” لم تنتقل إلى مرحلة “الخطاب” إلا بعد أن تجتاز كيفية تعاطي المذاهب الإسلامية المختلفة معها، كالخطاب الفقهي والكلامي والسلوكي وغيرها. فالنص المروي، إذا خرج إلى دائرة “الدراية”، قد يشكل له تراتبية عظمى في خطاب ما حسب رؤية المؤولين له، وقد يبقى في المدونات والمرويات، وقد يحتل مكانة وسلماً تراتبياً مع نصوص أخرى، دون أن يُستحضر كثير من السياقات الاجتماعية وظروف النقل التي صاحبت من أوَّله. فالحديث الواحد قد يفرز تيارات متعددة بحسب التأويلات وتشعب الاتجاهات والمدارس المتضاربة تأويلاتها حتى الاقتتال. والنص هو هو، مع زيادة عمق النقد والتصحيح وطلب الصحة لكثير مما فيه، بل إن أحاديث كثيرة رُدَّت لاشتباه في صحتها لأنها لم تحقق شروط القبول العلمي في مجال الحديث، لا الثقافة! فلم تؤثر طريقة نقل الراوي فيه، بل المؤثر والمتغير هو طريقة تأويل المتلقي له بين اتجاه وآخر، إضافة إلى تعدد السلط المختلفة عبر تاريخ طويل من سلسلة رواة.

جماعة الرواة: ناقلة للنص لا مشكّلة للخطاب

أما “جماعة الرواة” فهي جماعة تتجاوز جماعتي “الخطاب الصريحة” و”الخطاب الضمنية”، لأنها لا تمارس التعليق إلا إذا انتقلت إلى “الدراية”، وهو ما يعني دخول التأويلات ودخول دائرة “الفقهاء” أو تخصصات أخرى، لا لإعادة تجديد الخطاب بأشكال متعددة، بل لأنها ناقلة للنص لا مشكّلة للخطاب.

هل يمكن تطبيق النقد الثقافي على علم الحديث والرجال؟

السؤال الذي يُطرح: هل يمكن تطبيق “النقد الثقافي” على “علم مصطلح الحديث والرجال”؟ أم أن النقد الثقافي نافع نفعاً خارجياً في أزمنة مضت، قد لا يكون لدراستها جدوى كبيرة، إذ يُبحث عن سياقات اجتماعية محددة تُتلمس في بحث أهل تلك العصور حين نظروا لتوجهات الرواة السياسية في ذلك الوقت، بين تشيع وخروج، وتقييد الضوابط بين درجات من تقبل رواياتهم من أهل التوجهات ومن لا تقبل، حسب درجة التوغّل.

فهل يمكن القول إن الحديث النبوي خطاب لا نصّ؟ فكيف إذاً أنتج خطابات متضاربة على مر القرون، ولم يوحدها كلها؟ وكيف يمكن أن يكون ذا سلطة وله تعليقات مؤازرة لا خارمة وله مؤلِّف يجدده كل حين؟ فكيف يمكن تفسير تعدد الخطابات المختلفة مع ضابط منع الزيادة في النص مهما كانت وثبات صورته كما كانت؟

إن كان النقد الثقافي موضة، فإن هذه الموضة قد تخلع على لابسيها خِلعاً لا تليق، ولا يدركونها إلا بعد ذهاب السكرة، وضياع أوقات كانت أجدر بإشكاليات أخرى أنفع.