الإنسان وتغيّر الذات
من الظلم أن يُحاكم الفرد بما كان عليه وليس بما أصبح عليه، فالبعض يظل يعلق صورة قديمة عن الشخص ولا يرى ما طرأ عليه من تطور.
الحقيقة أن التغير ليس استثناءً بل هو قانون الحياة؛ فالسنوات لا تقتصر على إضافة أرقام إلى العمر، بل تضيف إلى الوعي دروساً، وإلى العقل مراجعات، وإلى القلب نضجاً لم يكن موجوداً من قبل.
الصدق مع النفس يتطلب شجاعة الإعتراف بأن بعض الأفكار القديمة لم تعد تمثلنا، وأن بعض القناعات احتاجت إلى إعادة نظر وقد نضجت وتبلورت بما يكفي.
موقف المجتمع من التحول الإيجابي
المجتمع لا يكون دائماً كريمًا مع هذا التحول؛ فكم من إنسان حاول فتح صفحة جديدة فوجد الماضي يُستدعى في كل مناسبة، وكم من شخص جدّ في إصلاح نفسه فسمع تذكيراً بخطأ قديم أو موقف عابر تجاوزه منذ سنوات.
وهذا يجعل كثيرين يترددون في إعلان مراجعاتهم أو تغيير قناعاتهم خشية اتهامهم بالتناقض أو التقلب، بينما التناقض الحقيقي هو التمسك بخطأ يعرف أنه خطأ فقط لأننا نخاف كلام الناس ونظرتهم.
الإنسان الذي لا يغيّر شيئًا في نفسه رغم ما يمر به من تجارب يطرح سؤالاً عن جدوى تلك التجارب إن لم تُحدث أي تغيير.
احترام الحاضر وإمكانية النمو
التجارب وُجدت لتعلّمنا، والخسائر لتُنضجنا، والنجاحات لتزيدنا تواضعاً، والعلاقات لتكشف لنا ما ينبغي أن نتمسك به وما ينبغي أن نتخلى عنه؛ فإذا خرج الإنسان من كل ذلك كما دخل فما الذي صنعته فيه الحياة؟
الدفاع عن حق الإنسان في التغير لا يبرر كل تحول، فليس كل تغيير تقدماً وليس كل مراجعة صواباً، لكن من العدل أن نقيس الإنسان بحاضره كما نقيسه بماضٍ ونمنحه فرصة لإثبات أنه تعلّم لا أن نحبسه إلى الأبد داخل نسخة لم تعد تشبهه.
التغير الإيجابي سمة الكبار وهو ما نتحدث عنه ونريده، ومن الإنصاف أيضاً أن نمنح أنفسنا هذا الحق؛ فكثير منا يحمل عبء أخطاء قديمة ويتمنى لو أنها لم تقع، متناسياً أن الحياة لا تطلب الكمال بل تطلب التعلم، والنهوض بعد كل تعثر، وأن نكون اليوم أفضل مما كنا بالأمس.
الإنسان ليس كائناً مكتملاً بل مشروعاً دائماً للنمو؛ تتغير نظرته، وتتسع مداركه، ويصبح أكثر فهمًا للحياة وللناس ولنفسه؛ فاحترام الإنسان لا يكون بتذكيره الدائم بما كان عليه بل بالاعتراف بما وصل إليه.
الحياة لا تمنحنا الأيام فقط بل تمنحنا معها فرصة متجددة لكتابة نسخة أفضل من ذواتنا، ومن الظلم أن يصرّ الآخرون على قراءة الصفحة الأولى فقط بعد أن امتلأ الكتاب بفصول جديدة ومؤثرة ومهمة وإيجابية.






