عاجل
٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 21 أغسطس 2026
الرياض +18°C

من ليبمان إلى الذكاء الاصطناعي: رحلة تشكيل الصورة الذهنية للعالم عبر الإعلام

21/08/2026 01:01

تُعتبر عبارة «الصور التي في أذهاننا» من أعرق المفاهيم في حقل الدراسات الإعلامية، حيث صاغها الصحافي والمفكر الأميركي والتر ليبمان في مؤلفه «الرأي العام» الذي نُشر عام 1922. ورد في هذا الكتاب أن معظم الحروب والأزمات والدول والشخصيات التي نعرفها لم نشهدها بأعيننا، بل تعرفنا عليها عبر الصحافة أولاً، ثم الإذاعة والتلفزيون، واليوم عبر شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وبذلك، لا نبني معرفتنا بالعالم من خلال التجربة المباشرة، بل من خلال الصور والتخيلات التي تستقر في عقولنا. ولهذا فإن هناك فجوة بين «العالم كما هو في الواقع» و«العالم كما نتخيله».

جذور المفهوم: البيئة الخيالية والقوالب الجاهزة

أطلق ليبمان على هذه الصورة الذهنية مصطلح «البيئة الخيالية»، لأن الواقع واسع ومعقد إلى حد يستحيل معه على أي إنسان الإحاطة به كاملاً؛ لذلك يبني كل فرد نسخة مبسطة منه، ثم يتخذ مواقفه ويتصرف بناءً عليها. فمثلاً، إذا كانت كل المعلومات التي تصل إلى شخص ما عن دولة معينة محصورة في الحروب والفقر والاضطرابات، فقد تتكون لديه صورة ذهنية بأن تلك الدولة ليست سوى مسرح للفوضى، حتى لو كان واقعها مختلفاً تماماً. ويرتبط بهذا المفهوم فكرة «الصور النمطية» أو «القوالب الجاهزة»، وهي القوالب الذهنية المبسطة التي نستخدمها لتصنيف الأشخاص والجماعات والمجتمعات، ويكون معظمها بعيداً عن الواقع أو مبالغاً فيه.

تطور النظريات الإعلامية: من حراسة البوابة إلى تحديد الأجندة

تتجلى أهمية هذه الفكرة في الدراسات الإعلامية في أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً محورياً في تشكيل تلك الصور. فالصحيفة أو القناة التلفزيونية لا تستطيع عرض كل ما يحدث، لذا تختار بعض الأحداث وتتجاهل غيرها، وتسلط الضوء على موضوعات معينة، وتقدمها من زوايا محددة. وقد تطورت هذه الفكرة لاحقاً في عدد من النظريات الإعلامية المعروفة. فنظرية «حراسة البوابة» تفسر كيف يتم اختيار ما يصل إلى الجمهور، ونظرية «تحديد الأجندة» تفسر كيف تجعل وسائل الإعلام بعض القضايا أكثر أهمية في نظر الناس، بينما يوضح مفهوم «التأطير» كيف تؤثر طريقة عرض القضية وصياغتها اللغوية في فهمنا لها. ويمكن النظر إلى هذه النظريات باعتبارها امتدادات مختلفة للسؤال الذي طرحه ليبمان: كيف تتشكل الصورة التي نحملها في أذهاننا عن العالم؟

العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي: حراس بوابة جدد

في العصر الرقمي، أصبحت مقولة ليبمان أكثر أهمية وأكثر تعقيداً. فلم تعد الصحف والقنوات التلفزيونية وحدها هي التي تبني صورنا عن الواقع، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والمؤثرون وصناع المحتوى والمستخدمون أنفسهم شركاء في هذه العملية. والأهم من ذلك دخول الخوارزميات بوصفها «حراس بوابة» جدداً يقررون أي المنشورات ومقاطع الفيديو والأخبار تظهر أمام كل مستخدم. ولذلك قد يعيش شخصان في المجتمع نفسه، لكن كلاً منهما يرى عالماً إعلامياً مختلفاً عن الآخر.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت المسألة أكثر إلحاحاً، فالإنسان اليوم يستطيع أن يطلب من نظام ذكاء اصطناعي أن يشرح له حرباً أو أزمة سياسية أو قضية اجتماعية، فيحصل على تمثيل مختصر للعالم بدلاً من التعامل معه مباشرة. كما تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو حقيقية لأحداث لم تقع أصلاً.

خلاصة: من يصنع صورنا الذهنية اليوم؟

بعد مرور أكثر من قرن على كتاب ليبمان، تغيرت الوسائل ولكن بقي السؤال نفسه: من يصنع «الصور التي في أذهاننا»؟ كان الجواب في عصره هو الصحافة إلى حد كبير، أما اليوم فالجواب يشمل الإعلام والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والذكاء الاصطناعي، بل والمستخدم نفسه. ولهذا تبقى مقولة ليبمان دليلاً مهماً لفهم العلاقة بين الإعلام والواقع: فنحن لا نتصرف دائماً على أساس العالم كما هو، وإنما على أساس العالم كما نراه ونتصوره في أذهاننا.