عاجل
١٨ صفر ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 3 أغسطس 2026
الرياض +16°C

التوطين في الاقتصاد الرقمي السعودي: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للكفاءات الوطنية

03/08/2026 21:02

التوجه نحو البنية الرقمية الموطنة

تسير المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة لتحقيق أهداف رؤيتها للتحول الرقمي، مستندة إلى بنية تحتية تقنية متقدمة تقوم على الحوسبة السحابية السيادية ونظام حماية البيانات الشخصية، ما يضمن توطين البيانات وحوكمتها. وفي هذا السياق، اعتمدت استراتيجية شاملة للذكاء الاصطناعي تقودها شركة هيوماين المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وتدعمها استثمارات تبلغ مئة مليار دولار، لتصبح من بين الدول القريبة من إكمال بناء بنيتها الرقمية بينما ما زالت كثير من الدول في مرحلة التخطيط أو التطوير.

توسيع قاعدة الكفاءات للتعامل مع الذكاء الاصطناعي

يتزامن تقدم البنية الرقمية مع برنامج التوطين (السعودة) الذي يهدف لزيادة مشاركة المواطنين في القطاعات ذات القيمة المضافة. ففي عام 2025 بلغت نسبة توطين 46 مهنة هندسية 30٪، وانتهت في 30 يونيو 2026 المهلة الممنوحة للشركات للالتزام بهذه النسبة. ويعكس ذلك انتقال المملكة إلى مرحلة لم يعد التركيز فيها على إعداد مهندسين جدد فقط، بل تمكين العاملين في مختلف التخصصات من التعامل المباشر مع البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبعد سنوات من العمل المتواصل على بناء هذه المنظومة، باتت الأولوية الآن توسيع قاعدة الكفاءات القادرة على توظيف التقنية والاستفادة من إمكاناتها.

دور الشركات التكنولوجية في تبسيط الاستخدام

يؤكد ياسر شوقي، نائب الرئيس لمنطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في إنفورماتيكا، أن سد فجوة المهارات لا يعتمد فقط على برامج التدريب، بل يتطلب مساهمة أكبر من شركات التكنولوجيا. ويشير إلى أن التحدي لم يعد إعداد مزيد من المتخصصين، بل تمكين شريحة أوسع من العاملين من مختلف التخصصات من استخدام البنية التحتية الرقمية والاستفادة منها. ويضيف شوقي: «طموح المملكة اليوم يسابق الزمن، ولا مجال لأن تتخلف المهارات عن هذا السباق. وعلينا إعادة التفكير في الطريقة التي نصمم بها التكنولوجيا، بحيث تصبح أكثر سهولة في الاستخدام لشريحة أوسع من المستخدمين».

ويشير إلى أن الفجوة لا تزال موجودة رغم التقدم في إعداد الكفاءات. فبينما تستهدف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي تدريب عشرين ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، تجاوز عدد المتدربين حتى الآن أحد عشر ألفاً. ورغم أن هذا الرقم يعكس تقدماً ملموساً، فإنه لا يزال دون مستوى الكفاءات الذي تتطلبه استثمارات المملكة البالغة مئة مليار دولار في منظومة الذكاء الاصطناعي.

ويستند شوقي إلى دراسة أجرتها شركة ديلويت كدليل على جاهزية المملكة للانتقال إلى هذه المرحلة، حيث أظهرت أن نسبة استخدام المستهلكين في السعودية لأدوات الذكاء الاصطناعي ارتفعت من 49٪ إلى 66٪ خلال العام الماضي، وأصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءاً من الاستخدام اليومي لغالبية المستخدمين. ويقول: «لم تعد هذه التكنولوجيا ضيفاً جديداً على المستخدمين، بل أصبحت جزءاً من أدواتهم اليومية. وعليه، لم يعد هناك ما يبرر استمرار الاعتماد على لوحات التحكم والواجهات التقنية التقليدية التي كانت تُجبر المستخدمين على اللجوء إلى أقسام تقنية المعلومات للحصول على الإجابات، وحان الوقت لاستبدالها بنموذج أكثر سهولة وفاعلية».

النهج الجديد لإنفورماتيكا وآفاق التطبيق في المملكة

وبناءً على ذلك، تسعى إنفورماتيكا إلى تغيير المعادلة من خلال نهجها الجديد “هيدلس” (Headless) الذي أعلنت عنه مؤخراً وبدأت في طرحه تدريجياً، على أن يُعلن قريباً عن موعد توفره في السعودية. يقوم هذا النهج على إزالة الواجهة التقليدية للمنصة بالكامل، بحيث تصبح جميع إمكاناتها متاحة على شكل خدمات يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الوصول إليها مباشرة عبر معيار مفتوح يعرف باسم “بروتوكول سياق النموذج” (Model Context Protocol).

وبذلك، يمكن للمستخدم توجيه استفساراته مباشرة إلى وكيل ذكاء اصطناعي يعمل عبر منصة “إيجنت فورس” التابعة لسيلزفورس، أو “كلود”، أو “جيميناي”، أو أي منصة أخرى يتم اعتمادها، للاستفسار عن موقع بيانات معينة أو مدى موثوقيتها، ليتلقى الإجابة مباشرة، دون الحاجة إلى استخدام منصة إنفورماتيكا أو التعامل مع واجهاتها التقليدية.

ويقول شوقي: «يشكل هذا التحول نقلة نوعية على صعيد التوطين (السعودة). فلم يعد المطلوب من كل من يعمل بالبيانات، سواء كان متخصصاً تقنياً أم لا، أن يقضي سنوات في فهم البنية التقنية للمنصات، بل أصبح يكفي أن يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح، وأن يمتلك القدرة على قراءة الإجابة وتوظيفها. ومن شأن ذلك اختصار رحلة اكتساب المهارات بصورة كبيرة، وتمكين الكفاءات السعودية من الالتحاق، بوتيرة أسرع، بوظائف البيانات والذكاء الاصطناعي ذات القيمة المضافة، مقارنة بما كان يتيحه المسار التقليدي».

ويؤكد أن نجاح هذا التحول يتطلب وجود سوق يتمتع بالجاهزية اللازمة لتبنيه، مشيراً إلى أن المملكة قد حققت ذلك بالفعل. ويضيف: «أبرز ما يميز السوق السعودي اليوم هو مستوى جاهزيته لهذه المرحلة. فالجهات الحكومية، والبنوك، والشركات الكبرى، تمتلك بالفعل بنية تقنية متقدمة. ولذلك، فإن تطبيق نهج “هيدلس” لا يتطلب إعادة بناء الأنظمة القائمة أو استبدالها، بل يمكّن العاملين داخل المؤسسات من الاستفادة بصورة أكبر من الأنظمة التي سبق وأن استثمرت فيها مؤسساتهم».

ويعكس توسع إنفورماتيكا في المملكة هذا التوجه، إذ افتتحت الشركة في عام 2024 مركزاً متخصصاً في الرياض لتقديم حلولها، وأطلقت منصتها المدعومة بالكامل بالذكاء الاصطناعي لإدارة البيانات، كما تتعاون مع عدد من الجهات، من بينها الخطوط السعودية، بالإضافة إلى مؤسسات في قطاعي الطيران والخدمات الحكومية.

ويختم شوقي بأن المرحلة القادمة من “رؤية السعودية 2030” تمثل انتقالاً من النمو القائم على ضخ الاستثمارات إلى النمو القائم على بناء القدرات والكفاءات. فالبنية التحتية للبيانات أصبحت قائمة، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تتواصل بوتيرة تضع المملكة في مصافي عدد محدود من الدول، فيما يبقى التحدي قائمًا في تمكين الكفاءات الوطنية من توظيف هذه المنظومة والاستفادة منها. ويؤكد أن تكامل منصة سيلزفورس مع قدرات إنفورماتيكا في مجال ذكاء البيانات يجعل تحقيق هذا الهدف أقرب من أي وقت مضى.