عاجل
الجمعة، 16 أكتوبر 2026٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 23°C

الأمن السيبراني في السعودية: من درع حماية إلى محرك اقتصادي واعد

16/10/2026 11:02

لم تعد الهجمات الإلكترونية مجرد اختراقات للحواسيب والشبكات، بل غدت مخاطر اقتصادية كبرى قادرة على تعطيل المصانع، وشل الخدمات المالية، وإحداث اضطراب في سلاسل التوريد، والنيل من ثقة المستثمرين واستمرارية الأعمال. في المقابل، تحول الإنفاق على الأمن السيبراني من كونه تكلفة لحماية الأنظمة إلى نشاط اقتصادي متنامٍ يتسع فيه الاستثمار والابتكار وخلق الوظائف.

في المملكة العربية السعودية، تجاوز هذا القطاع حدود حماية البنية الرقمية ليصبح ركيزة استراتيجية تجمع بين تعزيز الأمن الوطني وتنمية الاقتصاد الرقمي، وتفتح آفاقاً لتنويع مصادر الدخل ورفع القدرة التنافسية بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030. وفي هذا السياق، يطرح تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الصادر في 14 أكتوبر 2026 سؤالاً اقتصادياً محورياً: كيف يمكن تحويل الإنفاق على الحماية الرقمية إلى صناعة وطنية تطور منتجاتها، وتمتلك تقنياتها، وتنافس عالمياً؟

ريادة دولية وصناعة وطنية طموحة

لم تأتِ هذه التحولات من فراغ، بل بنيت على مكانة دولية رفيعة حققتها المملكة؛ إذ حافظت على المرتبة الأولى عالمياً للعام الثالث على التوالي في مؤشر الأمن السيبراني ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) في سويسرا. كما صنفها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ضمن الفئة الأعلى عالمياً، معتبراً إياها نموذجاً رائداً في المؤشر العالمي للأمن السيبراني، مما يؤكد التقدم في بناء منظومة وطنية متكاملة للحماية والحوكمة وتعزيز القدرات.

وتعكس هذه المكانة الدعم المستمر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وما أسفر عنه من بناء مؤسسي وتشريعي وتقني جعل الأمن السيبراني أحد مرتكزات الأمن الوطني والاقتصاد الرقمي. غير أن التميز في الجاهزية والتنظيم لا يعني بالضرورة امتلاك حصة موازية في الصناعة العالمية، وهنا تبرز فرصة المملكة لبناء ريادة جديدة في تطوير التقنيات السيبرانية وتصديرها.

سوق يتجاوز 16 مليار ريال ومؤشرات النمو

كشف تقرير الهيئة أن حجم سوق الأمن السيبراني بلغ نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.7% بين عامي 2023 و2025. واستحوذ القطاع الخاص على 69% من السوق بإنفاق بلغ نحو 11.2 مليار ريال، بينما بلغ إنفاق القطاع الحكومي 5.1 مليارات ريال بنسبة 31%. وتشير هذه الأرقام إلى تزايد الطلب من القطاع الخاص، حيث يمثل الأمن السيبراني ضرورة تشغيلية واستثمارية للمصارف والمنشآت الصناعية وشركات الاتصالات والتجارة الإلكترونية وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

وبلغت مساهمة القطاع المباشرة وغير المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي نحو 20 مليار ريال خلال 2025، منها 9.7 مليارات ريال مساهمة مباشرة و10.3 مليارات ريال غير مباشرة، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 13.2%. وبذلك شكلت مساهمة القطاع نحو 0.42% من الناتج المحلي الإجمالي و0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية. ويختلف حجم السوق (الذي يعكس الإنفاق) عن المساهمة في الناتج المحلي (التي تقيس القيمة المضافة)، لذا لا يصح جمع الرقمين أو معاملتهما كإيرادات متطابقة.

سجلات تجارية متزايدة وصناعة تحتاج إلى تعميق

أعلنت وزارة التجارة في سبتمبر 2026 أن عدد السجلات التجارية لنشاط الأمن السيبراني بلغ 11,275 سجلاً، بنمو قدره 22%. لكن السجل التجاري لا يعني بالضرورة وجود شركة منتجة للتقنية، ولا يكفي وحده لقياس الإيرادات أو الابتكار أو الصادرات. التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الاتساع التجاري إلى منشآت فاعلة تطور حلولاً ذات قيمة مضافة وتستطيع الاستمرار في السوق والتوسع خارج الحدود.

وبحسب التقرير، استحوذت المنتجات على 51% من الإنفاق في السوق مقابل 49% للخدمات. ويثير هذا التوزيع تساؤلاً حول حصة المنتجات المطورة محلياً وملكية الشركات السعودية لتقنياتها. الفارق كبير بين منشأة تبيع تراخيص تقنية مستوردة وشركة وطنية تطور منتجاً سيبرانياً وتمتلك تقنيته وتستطيع تحديثه وتسويقه داخلياً وخارجياً. تظل الشراكات الدولية مهمة لنقل المعرفة، لكن قيمتها الاقتصادية تتعاظم عندما تتيح تطوير منتجات وطنية وحقوق ملكية فكرية وفرص تصديرية. وهنا يبرز دور الشركات الوطنية كالشركة السعودية لتقنية المعلومات «سايت» والمنشآت الناشئة في دعم منظومة الصناعة السيبرانية وتعزيز المحتوى المحلي.

آفاق استثمارية جديدة وتمويل للابتكار

مع التوسع في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمدن الذكية والخدمات المالية الرقمية، تزداد الحاجة إلى منظومات أمنية متقدمة لحماية البيانات والشبكات والتطبيقات والبنى التحتية الحساسة. ويفرض الذكاء الاصطناعي تحديات إضافية تتعلق بحماية النماذج والبيانات المستخدمة في تدريبها وتشغيلها. وتسهم موثوقية البنية الرقمية في بناء الثقة اللازمة لاستقطاب الاستثمارات، إذ يقيّم المستثمر قدرة البيئة الرقمية على حماية عملياته ومعلوماته. لكن نمو هذه الأنشطة لا يضمن تلقائياً ارتفاع إيرادات الشركات السيبرانية الوطنية؛ إذ يتوقف نصيبها من الطلب على جاهزيتها التقنية وقدرتها على تقديم حلول تنافسية.

وفيما يتعلق بالكفاءات، تجاوز عدد المتخصصين في الأمن السيبراني بالسعودية 22 ألفاً خلال 2025، وبلغت مشاركة المرأة 33% من إجمالي المختصين مقارنة بمعدل عالمي يقارب 22%. ويحتاج تطوير الصناعة إلى توسيع التأهيل من تشغيل الأنظمة وإدارة المخاطر إلى هندسة المنتجات السيبرانية وأمن الذكاء الاصطناعي والتشفير والبحث والتطوير. وهنا تبرز أهمية تعميق الشراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات التقنية لتحويل المعرفة العلمية إلى منتجات قابلة للتسويق وشركات ناشئة قادرة على النمو.

أما على صعيد التمويل، فقد أظهرت نتائج النسختين الأولى والثانية من «مسرعة الأمن السيبراني» التابعة للهيئة الوطنية للأمن السيبراني استثمارات تجاوزت 27 مليون ريال في الشركات الناشئة، وأكثر من 90 شراكة محلية ودولية، وتوسعاً في 12 دولة. ورغم أن هذه النتائج مشجعة، فإن استدامة أثرها تتوقف على نمو الشركات بعد انتهاء برامج التسريع وقدرتها على تحقيق إيرادات. لذا ينبغي أن يمتد دور رأس المال الجريء من تمويل التأسيس إلى دعم مراحل النمو، خصوصاً أن صناعة المنتجات السيبرانية تتطلب استثمارات متواصلة في البحث والتطوير والاختبار والامتثال.

ولتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة عالمياً، تشمل الأولويات رفع حصة المنتجات الوطنية، وتوسيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع امتلاك حقوق الملكية الفكرية، وربط المشتريات المؤسسية بالحلول المحلية المؤهلة، وفتح مسارات إلى الأسواق الدولية. كما تبرز الحاجة إلى مؤشرات اقتصادية أكثر تفصيلاً تقيس الإيرادات من المنتجات المطورة محلياً، وقيمة الصادرات السيبرانية، وعدد الشركات المالكة لتقنياتها. ومن المهم التمييز بين توطين تقديم الخدمات وتوطين التقنية نفسها؛ فالأول يوفر وظائف وفرصاً اقتصادية، بينما يضيف الثاني القدرة على الابتكار والإنتاج والتصدير وامتلاك المعرفة.

تملك السعودية سوقاً متنامية ومنظومة متقدمة للجاهزية السيبرانية، والفرصة المقبلة هي تحويل هذه المقومات إلى شركات منتجة ذات حضور عالمي، بما يضيف إلى دور القطاع الأمني قدرة صناعية واستثمارية مستدامة. وإذا كان الأمن السيبراني يحمي ثروات الاقتصاد الرقمي اليوم، فإن الاستثمار في صناعته قد يجعله أحد مصادر تلك الثروات غداً.