بقلم فهد البقمي، رئيس التحرير
تأتي الحزمة الإجرائية المرافقة لقرار تعديل تعرفة الكهرباء والمياه في إطار حرص القيادة على التخفيف من الأعباء المعيشية، إذ صدر أمر ملكي يقضي بصرف دعم شهري قيمته 500 ريال للفئات المستحقة، بهدف الحد من الآثار المترتبة على التعديل ومساعدة المستفيدين على تحمل التكاليف الإضافية.
وبينما تشكل هذه الخطوة دعماً للقدرة الشرائية، فإنها تطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: كيف تستطيع الأسرة أن تحقق أقصى استفادة من هذا الدعم، وتحافظ على توازن ميزانيتها، وتجعل من ترشيد الاستهلاك عادة يومية تعود عليها بالوفر المالي وتصب في صالح الحفاظ على موارد الوطن؟
فالأثر الاقتصادي لتعديل التعرفة لا يقتصر على قيمة الفاتورة الشهرية، بل يمتد إلى أنماط الاستهلاك المنزلي وقدرة الأسر على إدارة مواردها بشكل كفء. والمهمة ليست فقط التعامل مع الأعباء الجديدة، بل تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لترسيخ ثقافة الترشيد وتحقيق وفورات تفيد ميزانية الأسرة والاقتصاد الوطني.
من داخل المنزل يبدأ الترشيد
من المؤسف أن بعض الأسر لا تزال تتبع أساليب استهلاك لا تتسق مع الحاجة الفعلية؛ إذ تعمل أجهزة التكييف والإنارة في غرف وأدوار خالية من السكان، وتظل الأجهزة الكهربائية تعمل لساعات طويلة دون انقطاع، في حين يُهدر الماء عبر ممارسات يومية يمكن تجنبها بيسر.
وقد تبدو هذه السلوكيات هامشية، لكنها تتراكم بمرور الزمن وتظهر آثارها في ارتفاع الفواتير. ومن هنا، ينبغي أن يشكل تعديل التعرفة فرصة لإعادة النظر في هذه العادات والانتقال نحو استهلاك أكثر وعياً ومسؤولية.
فليس من المقبول أن تعمل وحدات سكنية كاملة بالكهرباء طوال اليوم دون وجود أحد فيها، أو أن تواصل أجهزة التكييف تبريد مساحات غير مستخدمة. كما أن إصلاح تسربات المياه، وتركيب أدوات موفرة، وإغلاق الصنابير عند عدم الحاجة، تُعد خطوات عملية تسهم في الحد من الهدر.
الدعم الشهري.. مدخل لتحسين الميزانية
إذا نجحت الأسرة في خفض استهلاكها غير الضروري، فقد تتمكن من الحد من ارتفاع فواتيرها، وتوظيف الدعم الشهري في تغطية احتياجات أخرى كالغذاء والتعليم والصحة والادخار.
ولنفترض أن أسرة خفضت استهلاكها من الكهرباء والمياه، فحققت وفوراً قدره 150 ريالاً شهرياً مقارنة بما كانت ستدفعه لو واصلت على النمط ذاته. وإذا كانت هذه الأسرة ضمن الفئات المستحقة للدعم البالغ 500 ريال، فإن الجمع بين الدعم والتوفير قد يمنحها مساحة مالية أكبر للوفاء بالتزاماتها الأخرى. ويظل هذا المثال افتراضياً لأغراض التوضيح، وليس تقديراً مضموناً لحجم الوفر أو لتأثير التعرفة على كل أسرة.
وتكمن هنا الفكرة الاقتصادية: ألا يُنظر إلى الدعم بوصفه مبلغاً يُخصص لمواجهة المصروفات فقط، بل كفرصة لتحسين إدارة الميزانية، مع الإشارة إلى أن قيمة الدعم وشروط استحقاقه تخضع للقرارات والضوابط الرسمية.
المياه والكهرباء.. مسؤولية مشتركة
يتجاوز ترشيد المياه في المملكة مسألة خفض الفاتورة المنزلية؛ فالمياه مورد حيوي تتطلب إتاحته عمليات إنتاج ومعالجة ونقل واستثمارات متواصلة. والحد من هدرها يسهم في صون مورد استراتيجي تحتاجه الأجيال الحالية والقادمة.
أما الكهرباء، فإن إنتاجها وتوفيرها يستلزمان بنية تحتية واستثمارات وموارد متنوعة. وكلما انخفض الاستهلاك غير الضروري، ارتفعت كفاءة استخدام الموارد وخف الضغط على منظومة الطاقة.
ولا يعني ذلك أن تتخلى الأسر عن احتياجاتها الأساسية، بل أن تستهلك بقدر حاجتها، وتستفيد من الوسائل المتاحة لرفع كفاءة الاستخدام، مع ضرورة التعرف أكثر على التعرفة وآليات الدعم وتوفير المعلومات التي تساعد على اتخاذ قرارات مناسبة.
الترشيد.. ثقافة اقتصادية
إن نجاح التعامل مع التعرفة الجديدة لا يعتمد على الإجراءات الحكومية وحدها، بل يتطلب وعياً مجتمعياً يترجم الترشيد إلى ممارسة يومية. فكل ريال تدخره الأسرة عبر إدارة رشيدة لاستهلاكها قد يفتح الباب أمام إعادة توجيه مواردها نحو أولويات أكثر أهمية، وكل وحدة مياه أو طاقة يتم توفيرها من دون الإخلال بالاحتياجات الأساسية تُعد مكسباً يعود نفعه على المنزل والاقتصاد الوطني معاً.
فجوهر الاقتصاد لا يقاس بحجم الدخل فحسب، وإنما بجودة إدارة الموارد. ومتى تظافرت عوامل الدعم والوعي والترشيد، صارت الأسرة أقدر على حماية ميزانيتها، وصار الوطن أكثر قدرة على تعزيز كفاءة استخدام موارده وصونها للأجيال المقبلة.






