عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

منزل بيير لوتي في روشفور يحاكي إسطنبول العثمانية داخل واجهة فرنسية هادئة

01/08/2026 10:26

لا يبدو المنزل الواقع في أحد شوارع مدينة روشفور الفرنسية من الخارج كموقع يخفي طابعاً شرقياً عميقاً، لكنه بمجرد الدخول إليه ينقل الزائر إلى أجواء إسطنبول العثمانية بفضل الخزفيات الإزنيقية والكتابات العربية والسقوف الخشبية التي تزين صالوناً تركياً وقاعة تُعرف باسم “المسجد”.

هذا المنزل يعود للروائي والرحالة وضابط البحرية الفرنسي بيير لوتي، الذي جسّد ولعه بالشرق وخصوصاً الإمبراطورية العثمانية وإسطنبول في كل ركن منه، ليصبح أحد أبرز المعالم الأوروبية التي تعكس تأثير الفنون والعمارة التركية والإسلامية.

شغف بالشرق تحول إلى منزل فريد

تزين قاعة “المسجد” خزفيات مستوحاة من خزف إزنيق العثماني الشهير، إضافة إلى كتابات عربية وسقف خشبي ومقتنيات جلبها لوتي من رحلاته، مما يجعلها أكثر أجزاء المنزل تعبيراً عن علاقته بالثقافة العثمانية. وُلد بيير لوتي – واسمه الحقيقي لويس ماري جوليان فيو – في روشفور في 14 يناير 1850. بعد وفاة شقيقه الأكبر غوستاف، التحق عام 1867 بالمدرسة البحرية الفرنسية، مما أتاح له السفر حول العالم، فكانت رحلاته مصدر إلهامه الأدبي وتصميم منزله المميز.

اشتهر لوتي بروايته “أزياده” المستوحاة من قصة حبه لامرأة شركسية التقاها خلال إقامته في إسطنبول أواخر القرن التاسع عشر، وهي الرواية التي عززت ارتباطه العاطفي والثقافي بالمدينة العثمانية. اعتماداً على مقتنياته من أسفاره، أعاد تشكيل منزله العائلي ليصبح عالماً مصغراً يجمع ثقافات متعددة، يضم إلى جانب الباغودا اليابانية والقاعة القوطية وصالون عصر النهضة، صالوناً تركياً وغرفة عربية وقاعة “المسجد”.

قاعة المسجد.. استحضار لذكريات إسطنبول

تتزين جدران القاعة بخزفيات من بلدان مختلفة، تبرز بينها قطع خزف إزنيق العثماني المعروف بزخارف القرنفل والتوليب ولونه الأحمر المميز “أحمر الطماطم”. تضم القاعة أيضاً كتابات عربية وسقفاً خشبياً وحوامل للمصاحف وصناديق جنائزية رمزية، إضافة إلى لوحة لـ”أزياده” ونسخة مطابقة لشاهد قبرها. توفي بيير لوتي في مدينة أنداي الفرنسية في 10 يونيو 1923، وأطلق اسمه لاحقاً على المدرسة التي درس فيها وأحد شوارع روشفور.

تحول منزله إلى متحف عام 1973، ثم خضع بين عامي 2012 و2025 لعملية ترميم شاملة أعادت إليه مظهره الأصلي. في حديث للأناضول، قال أمين متاحف روشفور كلود ستيفاني إن المنزل الحالي نتج عن دمج منزل ميلاد بيير لوتي بالمنزل المجاور الذي اشتراه الروائي عام 1895. وأوضح أن لوتي بدأ منذ سبعينيات القرن التاسع عشر إعادة تشكيل المنزل، وكان أول تغيير كبير له إنشاء الصالون التركي عقب عودته من أول زيارة طويلة إلى إسطنبول.

أضاف ستيفاني أن صمويل، الابن الوحيد للروائي، واصل العيش في المنزل بعد وفاة والده ثم باعه عام 1969 مع معظم محتوياته لبلدية روشفور، التي اتخذت هذه الخطوة تمهيداً لتحويله إلى متحف افتتح عام 1973. استقبل المنزل الزوار حتى عام 2012 قبل أن يُغلق بعدما تطلبت حالته الإنشائية أعمال ترميم واسعة.

ترميم معقد تجاوز 13 مليون يورو

أوضح ستيفاني أن مشروع الترميم واجه تحديات كبيرة منذ البداية، إذ توقف عام 2013 بسبب نقص التمويل. خلال أعمال الصيانة، اكتشف انهيار جزء من سقف قاعة “المسجد” بعدما أتلفت حشرات تنخر الخشب أجزاء من هيكله. دفع هذا الاكتشاف القائمين على المشروع للانضمام لبرنامج “يانصيب التراث” الذي تنظمه مؤسسة التراث الفرنسية لتأمين التمويل اللازم. زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المنزل في يونيو 2018 وأكد ضرورة إنقاذه.

ذكر ستيفاني أن الدولة الفرنسية مولت نصف تكلفة المشروع، بينما تكفلت السلطات المحلية بالجزء المتبقي. تجاوزت التكلفة الإجمالية 13 مليون يورو، بينما لم تتحمل بلدية روشفور سوى نحو 3.5 ملايين يورو. تسببت جائحة كورونا في تعليق المشروع لفترة، ثم كشفت الأعمال اللاحقة هشاشة أساسات المبنى، مما استدعى حفريات عميقة وتدعيم الأساسات بالخرسانة لضمان السلامة.

أعيد افتتاح المنزل أمام الزوار العام الماضي بعد استكمال المشروع الذي وصفه ستيفاني بأنه بالغ التعقيد، وأضاف: “نجحنا في إعادة المنزل، قدر الإمكان، إلى الهيئة التي كان عليها عند وفاة بيير لوتي عام 1923”. أشار إلى أن الواجهة الخارجية البسيطة لا تعكس التصميم الداخلي الذي يضم قاعات مستوحاة من ثقافات متعددة، حيث ينتقل الزائر بمجرد الدخول إلى الباغودا اليابانية والصالون التركي والغرفة العربية وقاعة “المسجد” والغرفة الصينية والقاعة القوطية وقاعة عصر النهضة.

كان لوتي يحرص بعد كل رحلة على إعادة إنشاء الأماكن التي تركت أثراً في نفسه داخل منزله، وقاعة “المسجد” والغرفة العربية أبرز الأمثلة. قاعة “المسجد” تمثل إعادة تصور للغرفة التي كان يقيم فيها لوتي بمنطقة أيوب في إسطنبول، بينما استلهم تصميم الغرفة العربية من مسجد ريفي صغير في المغرب العربي، وأراد الكاتب من هذين الفضاءين إبهار أصدقائه واستحضار ذكرياته.

تضم القاعة جزءاً منخفضاً في وسطها مستوحى من قصور دمشق، وسقفها الخشبي يعود للقرن الثامن عشر واشتراه لوتي خلال زيارته لسوريا في تسعينيات القرن التاسع عشر، ثم بنى تصميم الغرفة بالكامل انطلاقاً منه. تضم القاعة أيضاً أعمدة حلزونية من الجزائر ومجموعة مميزة من الخزفيات السورية والعثمانية من إزنيق التركية. قال ستيفاني إن قاعة “المسجد” كانت بالنسبة للوتي مساحة يستعيد فيها ذكريات شبابه في حي أيوب بإسطنبول حيث التقى الفتاة التي ألهمته رواية “أزياده”.

عاد الكاتب إلى إسطنبول عام 1887 فعثر على قبر أزياده وأشرف على ترميمه، ثم صنع في مطلع القرن العشرين نسخة مطابقة لشاهد قبرها وضعها في القاعة إلى جانب صورتها ليبقى على صلة رمزية بالمرأة التي شكلت محطة بارزة في حياته الأدبية. أكد ستيفاني أن القاعة لا تؤدي وظيفة دينية، بل صممها لوتي لتكون فضاء يستحضر فيه إسطنبول التي أحبها وزارها مرات عديدة، وأضاف أن المنزل يضم مقتنيات كثيرة من تركيا بينها سجادة زرقاء كبيرة أهداها وفد تركي إليه خلال زيارته في روشفور عام 1922 عندما كان يعاني المرض.

بعد أكثر من مئة عام على وفاة بيير لوتي، لا يزال منزله في روشفور يحتفظ بملامح الشرق التي حملها من رحلاته، ليشكل أحد أبرز الشواهد الأوروبية على حضور العمارة والفنون العثمانية والإسلامية خارج موطنها.