عاجل
الأحد، 1 نوفمبر 2026٢٠ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 26°C

بعد عودته من تركيا.. حرفي سوري يعيد بناء إمبراطوريته الفنية في ورشة صغيرة بريف دمشق

01/11/2026 13:13

من ورشة متواضعة في ريف دمشق، شرع الحرفي السوري محمد باريني (85 عاماً) في استئناف مسيرته المهنية في صناعة الفسيفساء داخل وطنه، بعدما أمضى سنوات من اللجوء في تركيا عقب تدمير مصانعه الأربعة جراء الحرب. كان باريني قد اضطر مع أسرته إلى مغادرة بلدته عين ترما بريف دمشق بسبب الصراع الذي شنه نظام بشار الأسد المخلوع على الشعب السوري بين عامي 2011 و2024.

وخلال فترة وجوده في تركيا، تمكنت العائلة من متابعة نشاطها في مجال الفسيفساء الحجرية في مدينة ماردين جنوب شرق البلاد، ونجحت في تسويق منتجاتها محلياً وتصديرها إلى وجهات دولية بينها الولايات المتحدة. لكن العودة إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد كشفت عن حجم الخراب الذي حل بممتلكاتهم، حيث وجدوا مصانعهم الأربعة، التي بنوها على مدار عقود، قد تحولت إلى أنقاض بسبب القصف.

من اللجوء إلى العودة وإعادة البناء

لم تثنِ الخسائر الفادحة عزيمة باريني وابنه باسل، فقررا إحياء العمل في بلدهما، واستأجرا مقراً جديداً في وادي عين ترما حولاه إلى ورشة متوسطة الحجم لإنتاج لوحات فسيفسائية متنوعة، بهدف استعادة نشاط العائلة والحفاظ على حرفة توارثتها الأجيال. وأوضح باريني في تصريحات لوكالة الأناضول أن عودته جاءت مدفوعة بالتغيرات التي شهدتها سوريا ورغبته في ممارسة مهنته على أرض الوطن. وأضاف: “كان كل شيء هنا قد دُمّر بالكامل، ولم يبقَ لدينا شيء. بدأنا العمل مجدداً في ورشتنا الجديدة، وشرعنا في إصلاحها. سنجعلها أفضل مما كانت عليه”.

نصف قرن من الإبداع الحجري

كرّس باريني حياته لصناعة الفسيفساء على مدى خمسين عاماً، مستخدماً أنواعاً مختلفة من الرخام المحلي والمستورد لإنجاز مئات القطع الفنية، وشهد خلال مسيرته تطوراً كبيراً في أدوات المهنة وتقنيات الإنتاج. وأشار إلى أن هذه الصناعة كانت تعتمد في بداياتها على الجهد اليدوي والإمكانات المحدودة، قبل أن تسهم التقنيات الحديثة في تسريع الإنتاج وتسهيل عمليات التصنيع. وقال: “في السنوات الأولى، كنا ننجز كل شيء يدوياً وبإمكانات محدودة، أما اليوم، فقد أصبحت عملية الإنتاج أسرع بكثير بفضل المواد اللاصقة وأنظمة الجلخ الحديثة وتقنيات القطع بنفث الماء”. وأكد باريني أن الفسيفساء لم تعد مجرد مهنة يقتات منها، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياته ومصدر للسعادة لا يستطيع الاستغناء عنه. وقال: “أشعر بالسعادة عندما ألمس الرخام. أشعر بسعادة كبيرة عندما أعمل، لكنني لا أجد هذه السعادة عندما أبتعد عن مهنتي. عندما لا أعمل أشعر بأنني مريض. الحمد لله، سأواصل ممارسة مهنتي ما دمت قادراً على ذلك وما دام فيّ نَفَس”.

الجيل الجديد ومشاريع عالمية

لم تقتصر الحرفة على محمد باريني، بل انتقلت إلى نجله باسل الذي بدأ تعلم فن الفسيفساء وتشكيل الرخام على يد والده في دمشق وهو في العاشرة من عمره. ومع اندلاع الحرب، اضطرت العائلة إلى مغادرة سوريا، وأقام باسل فترة في روسيا قبل أن يلتحق بأسرته في تركيا، حيث واصل ممارسة المهنة والمشاركة في تنفيذ مشاريع داخل البلاد وخارجها. وأوضح باسل للأناضول أن العائلة شاركت في تنفيذ مشروع مضمار لسباق الخيل بمدينة إزمير غرب تركيا، وأنجزت أعمالاً فنية لشركات كبرى من الولايات المتحدة وكندا تعمل في تركيا، فضلاً عن تصميم قطع خاصة تراعي الذوق التركي. وخلال إقامته في تركيا، تعلم باسل اللغة التركية وتعرف إلى الثقافة المحلية، فيما أنتجت العائلة لوحات فسيفسائية متنوعة، بينها صور لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، لاقت استحساناً واسعاً. ورغم نجاح العائلة في مواصلة نشاطها خارج سوريا، ظل حلم العودة إلى الوطن حاضراً لدى أفرادها طوال سنوات اللجوء. وقال باسل: “الحرب أجبرتنا على مغادرة بيوتنا، لكنها لم تُخرج سوريا من داخلنا. بقيت دائماً في قلوبنا. مهما طال الزمن، ظللنا نحلم بالعودة إلى وطننا. هذا بلدنا، وكما حدث، كنا سنعود إليه”.

الفسيفساء كذاكرة حجرية

لم تقتصر أعمال عائلة باريني على إنتاج اللوحات الزخرفية، بل وظفت فن الفسيفساء لتوثيق أحداث وقضايا إنسانية، في محاولة للحفاظ على الذاكرة ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وأوضح باسل أن أعمال العائلة تناولت موضوعات متنوعة، من القدس والقضية الفلسطينية إلى الثورة السورية، فضلاً عن رحلات الهجرة المحفوفة بالمخاطر ومعاناة الأطفال اللاجئين. ومن خلال قطع الحجر الملون، سعت العائلة إلى تجسيد أحداث وتجارب إنسانية تركت آثاراً عميقة في حياة الناس، وتحويلها إلى لوحات فنية توثق جوانب من الذاكرة الجماعية. وأعرب باسل عن امتنانه للشعب التركي وحكومته على ما قدماه للعائلة خلال سنوات اللجوء، مشيراً إلى أن العمل مع الحرفيين الأتراك أتاح تبادل الخبرات والمشاركة في تنفيذ مشاريع مهمة. وقال: “أشعر بسعادة كبيرة للعمل إلى جانب الحرفيين الأتراك وتعليم هذا الفن في متحف دمشق. لقد أسهمت مهنتنا في بناء صداقات قوية ودائمة بين الشعبين التركي والسوري”. وأكد أن طموح العائلة يتجاوز إعادة تشغيل ورشتها في سوريا، إلى تطوير صناعة الفسيفساء في البلدين، ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، وتوفير فرص عمل للحرفيين الشباب. وختم باسل حديثه قائلاً: “هدفنا الأكبر هو تطوير هذه الحرفة في تركيا وسوريا، وتوفير فرص عمل جديدة للحرفيين الشباب، والإسهام في اقتصاد البلدين”.