عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

الذكاء الاصطناعي بين الضرر والضرورة: قراءة في مسار الابتكار البشري

04/06/2026 01:02

طبيعة المقاومة للابتكار

مع كل ابتكار فارق أو إنجاز علمي كبير يغيّر نمط الحياة، تقف البشرية حائرة ومتحفظة أمامه، كونه جديدًا وغريبًا عليها؛ كما قيل: «المرء عدو ما يجهل»، فال مجهول دائمًا مخيف، وهي طبيعة بشرية متأصلة تثير القلق، والابتكار غالبًا ما يخالف العادات والتقاليد المستقرة.

تاريخ المقاومة للتقنيات

حدث هذا مع معظم المخترعات، من الدراجات ثم السيارات التي قوبلت بالرفض والسخرية في البداية، ووُصفت بأنها «عربات بلا أحصنة» خطيرة وعبثية، ونفس الأمر تكرر مع الطائرات التي شكّكت في جدواها وقدرتها على التحليق الآمن.

حتى الآلات الحاسبة والكمبيوتر والهاتف الجوال، التي أصبحت اليوم أساسية لا غنى عنها، واجهت في بداياتها هجومًا شديدًا، ووُصفت بأنها ستلغي دور الإنسان في التفكير والتعلم، وتضر المخ البشري، وتنمي البلادة والتواكل.

لكن مع مرور الوقت تتلاشى هذه الريبة شيئًا فشيئًا، وتتحول هذه المخترعات من كونها مجرد أفكار مطروحة إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ فدورها أصبح أساسيًا في جميع مجالات الحياة، وهي قصة تكررت حيث يبدأ الابتكار بال rifiذ وينتهي بالقبول والاحتواء الشامل.

الذكاء الاصطناعي بين التهديد والفرص

إن المتأمل لتوقيتات الاختراعات يجد أنها تتواكب بصورة متوافقة مع حاجات البشر المتعاظمة، وكل ذلك تقدير العزيز العليم «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر»، «وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ».

ما يغفل عنه الناس غالبًا هو انفتاح العالم على بعضه البعض، وأن التطور العمراني الهائل الذي نشهده، سواء أفقيًّا بزيادة رقعة الأرض المأهولة أو رأسيًّا بزيادة عدد السكان، يقتضي مخترعات جديدة تتواكب مع هذا التوسع وتسهل الحياة فيه.

واليوم تنطبق هذه الريبة نفسها على الذكاء الاصطناعي، الذي يراه البعض تهديدًا للبشرية، ووصفه آخرون بأنه «الخطر الوجودي الأكبر». فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي أداة قوية لحل أعقد المشكلات البشرية، يرى آخرون أنه سيؤدي إلى فقدان الوظائف، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك ظانين أنه قد يشكل خطرًا على وجود البشرية ذاتها.

مسؤولية التشريع والأخلاق

إن تراكم المعارف وتناميها، واستخلاص النتائج والبناء عليها، مما يؤدي إلى التطوير المستمر، هو أمر إنساني طبيعي في جميع المجالات الفكرية والاقتصادية وغيرها؛ ومع تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي ازداد الوعي التقني، وأصبح التطلع لاكتشافات جديدة والانتقال إلى الأفضل وازعًا عالميًا يشغل الجميع.

والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس اختراعًا ترفيهيًّا، بل هو حاجة ضرورية في عصرنا الحالي؛ فتضاعف المعارف البشرية بهذه الصورة المهولة، والبيانات الهائلة التي تتولد كل يوم، تجعل من المستحيل على العقل البشري وحده معالجتها وفهمها، واسترجاعها في وقت مناسب؛ إن الذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تمكننا من استخلاص المعرفة من هذه البيانات، وفهم الأنماط، واستشراف المستقبل، ويساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، وتحسين كفاءة الإنتاج، بل حتى مواجهة التحديات العالمية الكبرى.

ولكل اختراع استخدامات إيجابية وأخرى سلبية بكل أسف، مما يتطلب وضع التشريعات اللازمة للحد من الاستخدامات السلبية، ويتجلى ذلك أكثر في استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث انتشرت الصور والمقاطع المفبركة التي لا يستطيع عامة الناس التفريق بينها، مما أدى إلى زوابع بين الناس وسوء فهم وظلمًا كثيرًا، قد يؤدي إلى جرائم وضياع حقوق.

فالذكاء الاصطناعي كسواه أداة قوية يمكن استخدامها للخير أو للشر؛ فبدلاً من الرفض والتشكيك، يجب علينا التركيز على تطوير أخلاقيات وقوانين تحكم استخدامه، وضمان أن يكون لخدمة البشرية لا لضررها، ولتيسير الوصول إلى المعلومات لا تلفيقها.

والخلاصة أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل هو مرحلة تطورية ضرورية في مسيرة البشرية، يفتح آفاقًا واسعة من المعرفة والإبداع، لكنه يتطلب مسؤولية كبيرة في استخدامه وتطويره؛ فبدلًا من الركون إلى المألوف، علينا أن نشجع الابتكار، وبدلاً من التشبث بالماضي، علينا أن نسارع إلى المستقبل، ونعمل معًا لجعله مشرقًا يستفيد منه ويسعد به الجميع.

للنشر و الاعلان