العقلنة كإطار ثقافي
عادة ما يُؤرّخ للفلسفة منذ العصر الإغريقي، حيث ظهر منعطف نحو عقلنة المعاني، وبخاصة المعاني الوجودية (الأنطولوجيا)، دون أن تُظهر صلة واضحة بالمعطيات السابقة أو بالعقائد التي أسست تلك المجتمعات. وفقًا للوثائق والدراسات المتاحة، فإن العقلنة تمثل قناة مستحدثة، وما تلاها من معارف اكتسبت صبغتها. كان مفهوم «العقلنة» هو الإطار الذي سيطر على ذلك الزمن الثقافي. استمر تيار المعرفة حتى اليوم يحمل ذاكرة تُظهر أن الفلسفة أخرجت لنا عقلنة للمعاني الدينية الموروثة من الوثنية اليونانية، مع بقاء تلك الوثنية لكنها دخلت في منافسة مع نظرة أخرى تقرأها بطريقة غير سابقة. ويُعتبر هذا المجال من أهم الميادين التي أظلّها ذلك الزمن الثقافي المسمى «العقلنة».
كما أشار الطيّب بوعزّة، فقد شملت العقلنة جلّ المعارف في تلك القرون؛ فقد تناولت المعاني، والشيء في ذاته، ومجموع المعاني الكلية، والفعل الإنساني الواجب (الأخلاق)، لتدمج ما ارتبط بالواجب من معنى وبناء تحت مظلة الفلسفة الشاملة. likewise، امتدت العقلنة لتشمل الفعل الإنساني الكلي، أي المجموع الواقعي وليس مجرد التجريد الواجب. بمعنى آخر، عُقلن «المعنى» وفق معرفة الإنسان، وكذلك «الفعل» بمعنى «الحدث».
الفلسفة وتحقيق الشيء في ذاته
ما يرتبط بعقلنة الشيء في ذاته ومقتضاه الوجوب يهدف إلى تحقيق طبيعته عبر مناهج تربطه بالواقع الإنساني، أي ما يستطيع الإنسان إدراكه في الواقع من خلال مداركه المعرفية. هذا المستوى المعرفي قد أمسك بزمام «الحقائق» ليقودها نحو الواجب بنظرة غرضية، لكنه حافظ في ذاكرته على تصعيد قيمة المعرفة الإنسانية إلى مستوى المعرفة الإلهية، مما عظّم من شأن الفلسفة والحقائق وصولًا إلى اليقين المطابق للوجود (وجود لا يمكن تحديده قطعًا، سواء بالحس أو بالمعنى).
أما عقلنة الفعل الإنساني، فهو ينظر إلى مجموع الفعالية البشرية في الوجود دون توجيه قصدي، بل يركز على الأسباب السابقة. وفقًا للطيّب بوعزّة، فإن التاريخ المقصود نشأ مع الأديان. بينما الفلسفة تتناول الوجود كما هو (وصفه) وترفعه نحو وجوبه كهدف، فإن التاريخ المُعقلن يفحص الوجود في أشكال سيرورته، بحثًا عن الأسباب والعلل التي أدت إلى حدث ما أو آخر.
التاريخ وسؤال الأسباب
الفلسفة والتاريخ ظهرتا في زمن واحد، أي عصر «هيرودوت» و»سقراط» وما سبقه من أزمنة الفلاسفة الإغريق؛ إذ تشكلا ضمن زمن ثقافي يظهر أن مطلبه هو «العقلنة» (هذا ما يُستنتج من كلام الطيّب بوعزّة في كتابه «المؤرخ والفيلسوف»). ومع ذلك، يتغير مسار العقلنة حسب المجال المعرفي الذي يظلله. في الفلسفة، هيمن البحث عن «حقيقة الشيء» لمعرفة طبائعه والتخلص من الأعراض التي تفسد الجواهر، مع ارتباط فعلي بالعقائد المؤسسة للمجتمع اليوناني (الميتافيزيقيا)، وربط المستوى الحسي الحيوي للفلسفة (الوجود الفيزيائي) بالمستوى المعرفي في مساره العقلي الذي يتقلب بين الصناعي الصناعي والجدلي، مما أنتج مباحث «الطبيعة» و»الضرورة» بالنظر إلى الكليات.
من جهة أخرى، سعى التاريخ إلى الانفصال عن «التيوغونيا» (أي تاريخ نسب الآلهة) وفحص التاريخ البشري في تحوّلاته، بحثًا عن الأسباب (ومن هنا يؤكد الطيّب بوعزّة أن أصل كلمة History مشتق من لفظ «هستور» بمعنى «الشاهد»، ومنه تشكل الحقل الدلالي الذي يشير إلى معنى البحث والتحرّي من قبل الشاهد). وقد استخدم «هيرودوت» هذا اللفظ بمعنى البحث والتحري، وجعلَه عنوانًا لكتابه. بل إن مدرسة لوكا الأرسطية اعتمدته كوسموس لبحث عن الحيوان. لكن موضوع كتاب هيرودوت هو الذي حسم التسمية لاحقًا، فصارت علماً على الكتابة في التاريخ، أي ليس بحثًا عن العليّة والسببية على النحو الذي تقبله الفلسفة التي لا تقبل إلا الضرورة، بل هو بحث عن العليّة والسببية بسؤال: لماذا حدث هذا الحدث؟ أي في حالة بين الإمكان والnecessity، مع اهتمام التاريخ ليس بطبيعة الشيء في ذاته بل بتحولات السير التاريخي الإنساني.
الشكل الخطابي والموروث المعرفي
أما الشكل الخطابي، سواء مكتوبًا أو منطوقًا، ففي الفلسفة تحوّل من الشذرات إلى الحوار الجدلي (أفلاطون) أو إلى الكتابات الفلسفية المنطقية (الأرسطية)، بينما عند هيرودوت انتقل من السرد إلى التعليل. ويبقى جامع أخير هو أن أصول المعاني تُؤسس فلسفيًا على تراتبية وجودية ذات أصل ديني، والفرق بين الجواهر والأعراض يتطابق مع الفرق بين الآلهة وما دونها، بينما التاريخ انبجس عن أصالة تاريخ الآلهة، وبقى حاملاً لأثر الحدث الإلهي في التاريخ.






