عاجل
١٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 2 أغسطس 2026
الرياض +20°C

نوربرت فينر: الأب المنسي للذكاء الاصطناعي الذي أسس علم السيبرانية

02/08/2026 15:05

هل يستحق نوربرت فينر، مؤسس علم السيبرانية في أربعينيات القرن الماضي، أن يُصنف ضمن الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي الحديث إلى جانب آلان تورينغ وجون فون نيومان؟ تستعرض فرانس24 المسيرة غير المعروفة لهذا الرياضي العبقري، الذي كان أيضاً من أوائل من حذروا من مخاطر أتمتة المجتمع.

طفولة معجزة ومسيرة استثنائية

تبدأ القصة في 26 نوفمبر 1894 في مدينة كولومبيا بولاية ميزوري الأمريكية، حيث وُلد نوربرت فينر في أسرة يهودية مهاجرة من أوروبا. ويقول الفيلسوف بيير كاسو-نوغيس، الأستاذ في جامعة باريس 8 ومؤلف كتاب “أحلام نوربرت فينر السيبرانية”، إن والده ليو فينر، أستاذ اللغات السلافية من أصل ليتواني، كان شديد الصرامة، وتعامل مع ابنه كما لو كان مشروعاً شخصياً، محاولاً تشكيله على صورته.

وبحسب المتخصص في تاريخ التكنولوجيا ماتيو تريكلو، أصبح نوربرت فينر طفلاً معجزة في العلوم متأثراً بوالده. فقد تعلم القراءة قبل بلوغه سن الرابعة، وحصل على ما يعادل شهادة الثانوية العامة في الحادية عشرة، ونال جائزة في الرياضيات في الرابعة عشرة، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة هارفارد في الثامنة عشرة فقط. وبعد سنوات قليلة، عينه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أستاذاً، ليصبح أحد أصغر الأساتذة في تاريخه.

السيبرانية: علم التحكم والتواصل الشامل

من هذا الموقع، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طور فينر أفكاره التي كان لها، وفق فيليب ماتيو المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليل، تأثير واسع في مجالات عدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات وأنظمة التحكم الآلي والأنظمة متعددة الوكلاء. فالسيبرانية، التي وضع أسسها منذ عام 1943 في مقال تأسيسي، ثم عرضها بالتفصيل في كتابه “السيبرانية: التحكم والتواصل في الكائنات الحية والآلات” الصادر عام 1948، تدرس ظواهر التحكم ونقل المعلومات بالطريقة نفسها لدى الإنسان والحيوان والآلة، كما يوضح بيير كاسو-نوغيس.

وبمعنى آخر، رأى نوربرت فينر وأنصار السيبرانية أنه من الممكن إقامة أوجه تشابه بين الطريقة التي يعالج بها الدماغ البشري المعلومات وتلك التي تعالج بها الآلات البيانات. عملياً، ألهمت هذه المبادئ فينر خلال الحرب العالمية الثانية لتطوير نظام دفاع جوي مضاد للطائرات من نوع جديد، كان هدفه تصميم منظومة قادرة على التكيف في الزمن الحقيقي مع حركة الصواريخ والطائرات، وأن تتعلم من أخطائها، وهي تعد من أولى البدايات لما يعرف اليوم باسم التعلم الآلي.

ويشرح فيليب ماتيو أن الفكرة الجوهرية في السيبرانية تمثل في فهم كيفية تكيف الكيان مع بيئته ومع المعلومات المتاحة له، فالذكاء يُنظر إليه بوصفه نتيجة للتفاعل بين الكائن، سواء كان حياً أو غير حي، وبين محيطه. ويرى رودولف زايسينغ، المتخصص في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بالمتحف الألماني في ميونيخ، أن السيبرانية تمثل نوعاً من العلوم الشاملة، إذ تجمع بين الرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء، فضلاً عن علم النفس والعلوم الاجتماعية.

إرث ممتد في الشبكات العصبية والذكاء الاصطناعي

يُفسر هذا الطابع متعدد التخصصات سبب اقتران اسم نوربرت فينر بدرجة أقل بتاريخ الذكاء الاصطناعي مقارنة بآلان تورينغ أو جون فون نيومان، اللذين كان تأثيرهما أكثر مباشرة في تطور علوم الحوسبة. لكن بالنسبة إلى ماتيو تريكلو، فإن التأثير غير المباشر للسيبرانية على الذكاء الاصطناعي كان بالغ الأهمية. فبين عامي 1946 و1953، جمعت “مؤتمرات ماسي” نخبة من العلماء المهتمين بأفكار نوربرت فينر، وشارك فيها بعض أبرز الأسماء في تاريخ الذكاء الاصطناعي، مثل جون فون نيومان وكلود شانون، وكانوا آنذاك يعدّون أنفسهم من أنصار السيبرانية.

وكان من بين مؤسسي هذه المؤتمرات أيضاً عالم النفس جوزيف كارل روبنيت ليكلايدر، الذي يصفه ماتيو تريكلو بأنه إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ المعلوماتية الأمريكية. وتولى ليكلايدر لاحقاً إدارة وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (داربا)، حيث لعب دوراً أساسياً في تمويل وتطوير شبكة الإنترنت، كما اهتم في ستينيات القرن الماضي بتطوير تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة. وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أشرف نوربرت فينر على أعمال الباحث والتر بيتس، الذي وضع إلى جانب وارن ماكولوتش الأسس الأولى لنماذج الشبكات العصبية الاصطناعية في أربعينيات القرن الماضي.

وتعد هذه الأعمال، التي انبثقت من السيبرانية، أساسية لفهم النماذج اللغوية الكبرى المستخدمة اليوم. فإذا كانت السيبرانية نفسها تبدو اليوم وكأنها أصبحت جزءاً من تاريخ العلوم، فإنها مهدت الطريق لظهور الشبكات العصبية، ومنها نشأ التيار المعروف بـ”الاتجاه الترابطي” (connexionniste)، الذي يشكل القلب النابض للذكاء الاصطناعي الحديث، بما في ذلك “تشات جي بي تي” وسائر تطبيقات القرن الحادي والعشرين.

تحذيرات مبكرة من مخاطر الأتمتة

غير أن إسهام نوربرت فينر لم يقتصر على توفير البيئة الفكرية التي نشأ فيها الذكاء الاصطناعي، بل كان أيضاً، وفق بيير كاسو-نوغيس، من أوائل من حذروا من مخاطره. فهذا الرياضي المعروف بطباعه الحادة ونوبات غضبه الشهيرة، أدرك مبكراً الأخطار التي قد تنجم عن بعض الأبحاث العلمية، ولذلك رفض المشاركة في مشروع مانهاتن الذي أفضى إلى تطوير أول قنبلة ذرية. وبعد قصف هيروشيما وناغازاكي، نشر فينر رسالة مفتوحة شهيرة أعلن فيها عزمه التخلي عن الرياضيات بعدما أدرك أن أبحاثه قد تستخدم في تطوير أسلحة دمار شامل، بحسب كاسو-نوغيس، وقد حظيت هذه الخطوة آنذاك بدعم العالم ألبرت أينشتاين.

وفي الوقت نفسه، رأى فينر منذ العام 1948 إمكانية قيام مجتمع يعتمد بالكامل تقريباً على الأتمتة (automatisation)، وهي في نظره تطورات قد تقود البشرية إما إلى عالم يتحرر فيه الإنسان من عبء العمل، أو إلى جحيم اجتماعي تسوده البطالة الجماعية، كما يوضح بيير كاسو-نوغيس. وانطلاقاً من ذلك، خلص إلى أنه لا ينبغي له التخلي عن أبحاثه، بل مواصلة العمل من أجل التأثير في مسار هذا المجال العلمي.

وكان نوربرت فينر، الذي صنف في كثير من الأحيان ضمن التيار اليساري، بل واشتبهت السلطات الأمريكية خلال الحرب الباردة في تعاطفه مع المعسكر السوفييتي، من أوائل من حذروا من التداعيات الاجتماعية المرتبطة بظهور الآلات. وفي هذا السياق، يرى ماتيو تريكلو أن السيبرانية مشروع سياسي بامتياز، تحركه أيضاً مخاوف من بطالة تكنولوجية قد تسببها الآلات التي تحل محل العمال، ويضيف أن المثير للدهشة هو قراءة هذه الأفكار منذ عام 1947، في وقت كانت فيه الحواسيب لا تزال نادرة للغاية.

لكن في نظر نوربرت فينر، هذا الخطر لن يتحقق إلا إذا وقعنا في الاستخدام اللاإنساني للبشر، كما يوضح تريكلو. وبعبارة أخرى، يعتقد فينر أن الروبوتات لا يمكنها أن تحل محل البشر إلا إذا اختزلنا البشر إلى مجرد روبوتات من خلال إنكار كل ما يميز بين البشر والآلة. ورغم أن مصطلح “السيبرانية” لم يعد متداولاً اليوم كما كان في الماضي، فإن أفكار مؤسسها تبدو أكثر ملاءمة لعصرنا من أي وقت مضى، في ظل لجوء شركات كثيرة إلى الترويج لانتصار الذكاء الاصطناعي لتبرير موجات تسريح الموظفين.