عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

انهيار اتفاق فرنسا وألمانيا على إنتاج طائرة combatية من الجيل السادس

09/06/2026 21:05

يسعى الأوروبيون إلى بناء دفاع مشترك وتعزيز قدراتهم العسكرية وتقليل الاعتماد على المظلة الأميركية‑الأطلسية، لكن المحاولة الفرنسية‑الألمانية لتطوير طائرة قتال مشتركة من الجيل السادس انتهت بفشل التوصل إلى اتفاق، ما يمثل انتكاسة كبيرة للطموحات الدفاعية للقارة.

انهيار مشروع الطائرة المستقبلية

لم يكن هذا التخلي مجرد حدث عادي؛ فباريس وبرلين تشكلان منذ انطلاق المشروع القوتين الرئيسيتين التي تقودانه، إذ تمثل فرنسا القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي بينما تحتل ألمانيا المرتبة الأولى اقتصادياً. وعندما يعجز هذان الشريكان عن المضي قدماً في مشروع عسكري استراتيجي انطلق قبل تسع سنوات، وسط مخاوف من تصعيد روسي وتراجع اهتمام الولايات المتحدة بالقارة القديمة وحلف الناتو، فإن ذلك ينذر بجرس إنذار للطموحات الدفاعية الأوروبية.

لم يكن الصدفة أن تعلن برلين أولًا عن تخلي المستشار فريدريش ميرتس عن مشروع الطائرة القتالية المشتركة مع باريس؛ فقد عبر ميرتس خلال أشهر عن تشاؤمه من المشروع وانزعاجه من سعي الشريك الفرنسي، ممثلاً بشركة «داسو للطيران»، للحصول على الحصة الأكبر بحجة امتلاكه المهارات والقدرات لقيادة البرنامج استنادًا إلى نجاح وشهرة مقاتلته «رافال».

من الجانب الآخر، عارض الشريك الألماني (والإسباني الذي انضوى لاحقًا تحت مظلة شركة (إيرباص) العسكرية) نزعة الهيمنة التي تبديها «داسو للطيران». وعلى الرغم من تشكيل لجنة عملت عدة أشهر لتسوية الخلافات بين الطرفين، لم تنجح مساعيها في التوصل إلى حل. وعقب اجتماع مطول جمع ماكرون وميرتس على هامش قمة البلقان‑الاتحاد الأوروبي، خرجت الخلاصة بأن الاستمرار في المشروع الطموح الذي كانت تكلفته ستصل إلى مائة مليار يورو أصبح مستحيلاً، وفهم من الجانب الفرنسي أن ميرتس هو من اقترح على الرئيس ماكرون التخلي عن هذا المشروع.

أسباب الخلاف الفرنسي‑الألماني

كان من المخطط أن يبدأ إنتاج طائرة المستقبل في عام 2040 لتحل محل «الرافال» في فرنسا و«اليوروفايتر» في ألمانيا وإسبانيا، وتصبح لاحقًا أحد أعمدة الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. وأفادت مصادر قصر الإليزيه ليلًا بأن ماكرون وميرتس «عبَّرا عن أسفهما لعجز الشركات الصناعية (المعنية بالمشروع) عن التوافق فيما بينها لمواصلة السير به»، وأضافت الرئاسة أن السلطات الألمانية رأت أنه «لم يعد بالإمكان مواصلة الضغط على الشركات المعنية» بالمشروع؛ ما يُفهم منه أن باريس تلقي باللوم على الشريك الألماني في إفشال مشروع عمل عليه تسع سنوات وصرفت عليه أموال هائلة.

بالإضافة إلى الخلافات حول الهيمنة على المشروع والمواصفات التقنية، كان لدى الجانبين رؤيتان مختلفتان حول المهام الرئيسية التي يجب أن تلبيها الطائرة المستقبلية. فباريس، وفق أوساطها، ترغب في طائرة ثقيلة قادرة على حمل السلاح النووي والإقلاع والهبوط من حاملة طائرات، بينما لا تمتلك ألمانيا حاملات طائرات ولا صواريخ nor قنابل نووية. ومن الجانب الألماني، يرى ميرتس الراغب في جعل ألمانيا القوة العسكرية التقليدية الأولى في أوروبا من خلال رفع ميزانية الجيش إلى 150 مليار العام المقبل — أي ضعف الميزانية الفرنسية — أنه غير مقتنع بالتصور الفرنسي ويطالب بطائرة خفيفة متعددة المهام لسلاح الجو الألماني. وتفيد معلومات متوفرة في باريس بأن برلين على تواصل مع شركاء آخرين مثل بريطانيا وإيطاليا للسير في برنامج بديل للحصول على طائرة من الجيل السادس.

آفاق التعاون الدفاعي البديل

رغم هذه الخلافات، ما زالت الرئاسة الفرنسية متمسكة بالشراكة مع ألمانيا. وجاء في بيان الإليزيه أن باريس «ما زالت ترى أن التعاون الفرنسي ـ الألماني ضروري للبلدين ولشركائهما الأوروبيين في قطاع الأمن والدفاع»، ويضيف البيان أن السلطات الفرنسية ستواصل تشجيع شركاتها وقواتها المسلحة على «البحث عن السبل والوسائل لإطلاق مشاريع أوروبية طموحة ومتلائمة مع مصالح الأمن القومي» الفرنسي.

جدير بالذكر أن العاصمتين أطلقتا مؤخرًا حوارًا حول البعد الأوروبي للقوة النووية الفرنسية وكيفية إفادة ألمانيا منها في سياق البحث عن تعزيز الدفاع الأوروبي، لكن خطة كهذه تحتاج إلى كثير من النقاشات للتوصل إلى تفاهمات واتفاقيات حول أشكال التعاون، خصوصًا أن باريس متمسكة بأن يكون قرار اللجوء إلى السلاح النووي محصورًا بها في المقام الأخير.

يبقى أن الدفاع الأوروبي المشترك لا يقتصر على فرنسا وألمانيا وحدهما؛ فقد أقرت القمة الأوروبية التي انعقدت في مدينة فرساي الشهيرة (غرب باريس) والقمم اللاحقة مجموعة من الخطط لتعزيز المشاريع الدفاعية المشتركة، سواء في المسيّرات التي فرضت نفسها في الحرب الحديثة أو الحرب الفضائية والقدرات السيبرانية وغيرها كثير. وبالنسبة لباريس وبرلين، فإن مشروع دفاعي رئيسي آخر يتناول صناعة دبابة المستقبل وتعمل عليه شركة مشتركة للطرفين متساوية الحصص تسمى «KNDS». وبعكس الخلافات التي أدت إلى إجهاض مشروع طائرة المستقبل، يبدو التفاهم تامًا «حتى اليوم» بين الشريكين الفرنسي والألماني الراغبين في الاستحواذ على السوق الأوروبية لدبابة المستقبل.

للنشر و الاعلان