عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

الصراع الدولي حول حرية الإعلام وتحدياته المتجددة

10/07/2026 03:00

لم تُعَدّ حرية الإعلام يوماً مفهومًا موحدًا على الصعيد الدولي؛ بل ظلت محورًا للنقاشات المتباينة التي تشمل أبعادًا سياسية وثقافية واقتصادية. فبينما تعتبر بعض الدول هذا الحق أساسًا لتداول المعلومات بلا قيود، ترى دول أخرى أن هذه الحرية لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية واحترام سيادة الدول وحماية الهوية الثقافية ومنع تركّز الإعلام.

تقرير مكبرايد وإثارته للجدل

بلغت الخلافات حول هذا الموضوع ذروتها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عندما صدر ما يُعرف بـ«تقرير مكبرايد». هذا التقرير، الذي وُضع تحت إشراف لجنة دولية مكلفة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، عُنِيَ بعنوان «أصوات متعددة… عالم واحد» وصدر في عام 1980. ترأس اللجنة الإعلامي والسياسي الأيرلندي شون مكبرايد، الحائز على جائزة نوبل للسلام، مما أفضى إلى تسمية التقرير باسمه. ضمت اللجنة ستة عشر عضوًا يمثلون توجهات سياسية وثقافية مختلفة، شملوا باحثين، صحفيين، ومسؤولين من دول متقدمة ونامية، واستغرق إعداد الدراسة عدة سنوات قبل عرض نتائجها في المؤتمر العام لليونيسكو عام 1980.

مبادئ التقرير وأهدافه

استند التقرير إلى فكرة أن الاتصال يُعَدّ حقًا إنسانيًا أساسيًا ومنصّةً للتنمية والعدالة الاجتماعية. كما ربطه بمفهوم أوسع أُطلق عليه «النظام الإعلامي والاتصالي الدولي الجديد»، الذي سعى إلى إعادة هيكلة النظام الإعلامي العالمي ليصبح أكثر توازنًا ويحد من احتكار الدول الصناعية المتقدمة في تدفق الأخبار وإنتاج المحتوى.

ردود الفعل الدولية

حظيت توصيات التقرير بدعم واسع من الدول النامية وجماعات الباحثين المتخصصين في الإعلام والتنمية، الذين رأوا فيها خطوة نحو تحقيق العدالة الإعلامية وتعزيز التنوع الثقافي. على النقيض، عارضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية التقرير بحزم، معتبرةً أن بعض أفكاره قد تُستَخدم لتبرير تدخل الحكومات في عمل وسائل الإعلام، وأن الدعوة إلى تنظيم تدفق المعلومات قد تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية الصحافة.

نقاشات مستمرة حول مفهوم حرية الإعلام

يتجلى الخلاف الأساسي بين تصورين مختلفين لحرية الإعلام: الأول يرى أن التحدي الرئيسي يكمن في تدخل الدولة في شؤون الإعلام، وبالتالي يجب حماية الصحافة من سلطة سياسية. بينما يركز الثاني على أن المشكلة لا تقتصر على الحكومات فحسب، بل تشمل هيمنة المؤسسات الإعلامية الكبرى والشركات العابرة للحدود، مؤكدًا أن العدالة الإعلامية لا تتحقق إلا بتقليل هذا الاحتكار.

في الوقت الراهن، لا تزال قضايا اختلال تدفق المعلومات، وعدم مساواة إنتاج المحتوى، وسيطرة الشركات الكبرى على الاتصالات العالمية من الموضوعات التي تهيمن على أبحاث الإعلام والاتصال. لذا يُنظر إلى تقرير مكبرايد كوثيقة سابقة لزمانها، إذ ناقشت قضايا أصبحت أكثر وضوحًا مع ظهور الإنترنت.

تحولات الصراع في عصر الإنترنت

مع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، تغيرت طبيعة الصراع دون أن تزول. كان من المتوقع أن تُقضي الشبكة على احتكار الإعلام التقليدي، إذ أصبح كل فرد قادرًا على نشر محتواه والوصول إلى جمهور عالمي. إلا أن الواقع أظهر بروز مراكز قوة جديدة، حيث سيطرت شركات التكنولوجيا العملاقة على منصات توزيع المحتوى، والإعلانات الرقمية، وجمع البيانات، وتحديد سياسات الإشراف على الخطاب العام.

تحول الجدل الآن من سؤال «من يملك وسائل الإعلام؟» إلى تساؤلات أعمق مثل: من يملك المنصات والبرمجيات التي تُبنى عليها؟ من يحدد ما يُعرض للمستخدمين؟ ومن يتخذ قرار حذف المحتوى أو إبقائه؟ لذا لم يعد الخلاف مقتصرًا على العلاقة بين الحكومات ووسائل الإعلام، بل امتد ليشمل العلاقة بين الحكومات، وشركات التكنولوجيا، والمجتمع المدني، والمستخدمين أنفسهم.