عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

قراءة فوكوية للتراث الإسلامي بين النقد الثقافي وعلم الحديث

10/07/2026 03:00

الإطار الفوكوي للنقد الثقافي

يرى الناقد العراقي محسن جاسم الموسوي أنه من الضروري توظيف المستجدات في أساليب النقد الثقافي لإعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة ثقافية. ويفترض هذا التوجه ما أعلنه ميشيل فوكو من أن كل مجتمع يحكمه سرد كبرى، وهذه السرديات تُحيط بها إجراءات رقابية خارجية مثل الاستبعاد والقسمة والرفض وإرادة الحقيقة، وإجراءات داخلية كتعليق الحديث، والمؤلف في الخطاب، وتنظيم فروع المعرفة.

من بين الإجراءات الداخلية يبرز مفهوم «المؤلف في الخطاب»؛ إذ يُنتج في سياقه حالتان: حالة يغفل فيها المؤلف عن حضوره، وحالة أخرى تُعزز وجوده وتسعى إلى استكشافه.

تطبيق أدوات فوكو على التراث الإسلامي

تلعب أدوات فوكو في تحليل الخطاب دوراً بارزاً في تشكيل اتجاهات النقد الثقافي الذي يستغلها لدراسة الظواهر الثقافية عبر رصد مضمرات الخطاب وتشكلاته، وفق ثنائية المعرفة والسلطة، حيث تصبح «إرادة الحقيقة» مجرد تسمية واقعها الجهل. ونظراً لهيمنة هذه الأدوات على الأطروحات النقدية المعاصرة في معظم فروع الدراسات الثقافية، فإن الأمر يستدعي تدقيقاً حذراً لكيفية نقلها إلى مجال التراث.

يُشير الموسوي إلى «علم الحديث النبوي» من جهة الرواية كمجال تراثي قابل لتطبيق هذه الأدوات المعرفية. وهذا الاستدعاء يفرض مراجعة مدى تحقق شرط «المناسبة المنهجية»، أي مدى ملاءمة الأدوات الغربية للموضوع التراثي المدروس، وتوضيح دلالتي «المؤلف» و«النص».

الإشكالية في ربط المؤلف بالراوي في الحديث

يحدد فوكو المؤلف ليس كشخص متحدث يكتب نصاً، بل كمبدأ يجمع الخطاب، أي وحدة وأصل لدلالات الخطاب وبؤرة تناسقها. وظيفته الأساسية تقليل اعتباطية الخطاب من خلال لعبة هوية يتشكلها الفرد والأنا؛ فالشخص يظهر كأنا لكن حقيقته تكمن في كونه وظيفة داخل الخطاب تحميه وتراقبه مما قد يمسه أو يخرمه. وهذه الإجراءات تكشف عن المعنى الثقافي الكامن خلف الممارسات الخطابية وغير الخطابية وعلاقتها البنيوية بالسلطة.

ويلمح الموسوي إلى إمكانية إسقاط دلالة «المؤلف في الخطاب» على الراوي أو الناقل في الحديث النبوي، مستنداً إلى مفهوم «العنعنة» (عن فلان عن فلان…)، بحيث يصبح الإسناد مجرد سلسلة من «الاعتراف بالنسب المعرفي» التي تمنح الحديث قوته وحجته. ويبرز هنا لبس منهجي ناتج عن عدم التمييز الحاسم بين «النص» و«الخطاب»، وبالتالي دور الراوي في النص مقابل دور المؤلف في الخطاب؛ فالحديث نص من جهة الرواية، لكنه يمكن أن يوصف بخطاب عند الانتقال إلى جهة الدراية، علماً أن علم الحديث وفق الدراية لا يقوم على خطاب واحد، بل تناولته مذاهب فقهية وعقدية وسلوكية مختلفة، كل منها أخذ من النص وشكّلت خطابات خاصة بها.

المنظور الجندري وقيود النموذج الفوكوي

كما أن أصل ربط الخطاب بالسلطة عند فوكو يكمن في طبيعة العلاقات التي تشكل الذوات؛ حيث تظهر السلطة بأدق صورها بين المتحدث والمستمع: إذا كان الحديث تبادلياً ومشاعاً فلا سلطة فيه، أما إذا احتل المتحدث مكانة فوقية إزاء المستمع فتنعدم المشاركة وتتحول إلى سلطة، فيتولد خطاب ينتج أخلاقاً تشكل الذوات وفقاً لسلطة المتحدث المعرفية أو الرمزية. فالخطاب في تكوينه الأول يرتبط بمعاندة حرية الإنسان في تشكيل أخلاقه بنفسه، بينما النظام الخطابي الذي يُصنع يُشكّل من الخارج عبر الرقابة وما شابه، وليس من الداخل.

وبالتالي فإن التمييز بين علاقتين ضمن ثنائية «الخلق الحر» و«أخلاق السلطة» هو أداة فوكو لتبيين طبيعة الخطاب وتقنيات الذات، واستخراج «الذات الفاعلة»، وتحديد مساحات التحرر من الهيمنة. فالخطاب عنده تفاعلات حول نصٍ أُلقي وأُنتجت تأويلاته، وليس النص بذاته؛ وبذلك يتجاوز كونه مجرد دلالة تعكس الاسم ومسماه ليصبح انعكاساً للسلطة التي تشكّله وتوجّهه، ولا يُحجب perceiving this reflection إلا الرغبة والسلطة نفسها القائمة على علاقات غير متكافئة.

علاوة على ذلك، يهتم النقد الثقافي عادة بخطاب الهامش والمهمشين والمنفيين ومَن تُمارس عليهم السلطة الظاهرة، وتعتبر النساء أحد أبرز نماذج هذا الهامش في التاريخ البشري. لكن عند ربط هذا المفهوم بمجال الحديث النبوي من جهة الرواية، يلاحظ أن التمييز الجندري لم يكن له تأثير ملحوظ على قبول رواية المرأة أو ردّها؛ بل كانت الظروف المحيطة (الاجتماعية وغيرها) هي التي قللت ظهورهن المعرفي أو كثافته. لذا فإن تطبيق أدوات فوكو الثنائية (الهامش والمركز، السلطة والمعرفة) يبدو ضعيفاً عند دراسة هذه الحالة؛ فالمجال المعرفي لرواية الحديث يقاوم إسقاط نموذج «السلطة الذكورية» بمعياره الغربي، وهو ما توصلت إليه الباحثة أسماء السيّد في بحثها المنشور في مطبوعات جامعة كامبريدج 2013.

وللحديث بقية إن شاء الله.