عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

ظلال أفلاطونية جديدة: المؤثرون الرقميون وصراع المعرفة مع الشهرة في 2026

12/06/2026 01:01

بعد أكثر من ألفي عام على كتابة أفلاطون لـ”الجمهورية”، لا يزال الحلم بمدينة فاضلة يشغل الفكر الإنساني. لم يقصد الفيلسوف اليوناني وصف مكان حقيقي، بل رسم نموذج فكري يختبر فيه كيفية بلوغ العدالة والحكمة والمعرفة. كان التساؤل الجوهري الذي طرحه حينها: من الذي يستحق قيادة الرأي، أصحاب المعرفة أم أصحاب الشهرة؟ ورغم الفاصل الزمني الهائل بين أثينا القديمة وعالم 2026 الرقمي، يظل هذا السؤال ملحاً، وتظل الإجابة عليه تمثل واحداً من أهم التحديات الثقافية في زمن تزاحمت فيه المعلومات السريعة مع المعرفة العميقة.

خشية أفلاطون من حكم المظهر والخطابة

أبدى أفلاطون تخوفاً من أن تُتخذ القرارات بناءً على المظهر الخارجي ومهارات الخطابة والإقناع، بدلاً من أن تستند إلى الحقيقة والإدراك. كان يرى أن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا حين يؤدي كل فرد الوظيفة التي تتناسب مع قدراته ومواهبه الفطرية. وفي هذا السياق، وجه الفيلسوف انتقاده اللاذع إلى السفسطائيين الذين برعوا في الإقناع حتى وإن كانوا يفتقرون إلى الحقيقة.

عودة السفسطائيين في العصر الرقمي

في عصر 2026 الرقمي، يبدو أن تلك الظاهرة عادت بقوة وبشكل مثير للجدل. فقد استطاع عدد من المؤثرين وصناع المحتوى بناء جماهيرية عريضة بفضل مهارات العرض والتسويق، وليس بالضرورة امتلاك معرفة عميقة في الموضوعات التي يتحدثون عنها. وأصبح النجاح، في أحيان كثيرة، مرتبطاً بالقدرة على جذب الانتباه أكثر من القدرة على إنتاج المعرفة.

توسع مساحة التعبير وغياب التأهيل

اتسعت مساحة التعبير إلى درجة أضحت معها كل فرد قادراً على تقديم نفسه كمحاضر، ناقد، كاتب، فيلسوف، أو حتى معالج نفسي وأسري، دون أن يمتلك التأهيل العلمي الكافي. ويلاحظ تزايد الحديث بصورة واضحة عندما يتناول البعض قضايا متخصصة في مجالات مثل الطب، الاقتصاد، علم النفس، أو الشؤون القانونية، معتمدين في ذلك على شهرتهم الرقمية أكثر من اعتمادهم على المعرفة العلمية الموثقة. هذا السلوك، بالطبع، يؤدي إلى منح الجمهور انطباعاً زائفاً بوجود خبرة حقيقية لدى المؤثر، رغم أن المعلومات المقدمة تكون في معظم الأحيان غير دقيقة أو مكتملة.

الخلل الأفلاطوني: استبدال التخصص بالرأي الشخصي

المشكلة الحقيقية، من منظور أفلاطوني، تكمن في استبدال التخصص بالرأي الشخصي، والخبرة بالثقة المفرطة. هذه الظاهرة تمثل خللاً في مبدأ العدالة كما فهمها الفيلسوف اليوناني، الذي لم يكن يعارض المشاركة العامة، لكنه كان يؤكد أن قيادة العقول وتوجيه المجتمع هي مسؤولية تتطلب تأهيلاً وحكمة، وليس مجرد الرغبة في التأثير.

إذا كان أفلاطون قد حلم بمجتمع يقوده الفلاسفة، فإن عصر 2026 يبدو أقرب إلى مجتمع يجتاحه المؤثرون. يظل السؤال مطروحاً: هل أصبح معيار التأثير هو الحكمة والمعرفة، أم القدرة على جذب الانتباه؟ وهل ما نراه يومياً على شاشاتنا يمثل الحقيقة كاملة أم مجرد ظلال جديدة على أسطورة الكهف الأفلاطونية؟

للنشر و الاعلان