عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

الثقافة كجندي صامت في معركة الحفاظ على الهوية

12/06/2026 01:02

لم تعد الصراعات التي تهدف إلى صون الهوية تُخاض بالأسلحة أو عبر الحدود الجغرافية فحسب؛ فقد تحول الدور الأساسي إلى الثقافة التي أصبحت الجندي الحقيقي المدافع عن ملامح الشعوب ضد الانحلال والاختفاء. تحوي الثقافة لغةً، وقيمًا، وعادات، وفنونًا، وموروثات متحركة تشكل منظومة حية تسعى لمنع الاندثار وإعادة تشكيل نفسها لتبقى حاضرة عبر الزمن، وفق منظور أنثروبولوجي متجدد.

دور الثقافة في تاريخ الأندلس بعد سقوطه

تقدم لنا التجارب التاريخية دلائل واضحة على قوة الثقافة في صمود الهوية. فبعد سقوط الأندلس، لم تختفِ الهوية الأندلسية الإسلامية نهائيًا رغم محاولات الطمس والتهجير. استمرت اللغة العربية والعمارة والموسيقى الأندلسية، بما فيها “الموشحات”، في الانتقال إلى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وما زالت تظهر حتى اليوم في أشكال فنية مثل “الغناء الأندلسي”، ما يُظهر قدرة الثقافة على البقاء حتى بعد انهيار الكيان السياسي.

المقاومة الثقافية في الجزائر

سعت فرنسا في فترة الاستعمار إلى فرض لغتها وثقافتها على الشعب الجزائري، ساعيةً إلى إضعاف الهوية العربية والإسلامية. غير أن اللغة العربية والدين الإسلامي ظلّا حاضرين في التعليم التقليدي والزوايا والمساجد. ومع اندلاع الثورة الجزائرية، تحولت الثقافة إلى أداة مقاومة محورية، وعززت الشعور الوطني وساعدت على الحفاظ على وحدة الشعب حتى تحقيق الاستقلال. ما يُبرز أن الثقافة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل سلاح مقاومة فعال.

الهوية الكورية تحت الاحتلال الياباني

في شرق آسيا، يُظهر تجربة الاحتلال الياباني لكوريا كيف حاولت اليابان محو الهوية الكورية بفرض اللغة اليابانية ومنع استعمال اللغة الكورية في المدارس. رغم ذلك، حافظ الكوريون على لغتهم وثقافتهم في الخفاء، واستمرت التقاليد الشعبية والأدب الكوري في التداول داخل المنازل. عقب تحرير البلاد، عادت اللغة الكورية لتصبح رمزًا وطنيًا وأحد أعمدة الهوية. اليوم، تُعد الثقافة الكورية من أكثر الثقافات انتشارًا عالميًا، مما يعكس تحولها من حالة دفاع إلى تأثير واسع.

الثقافة كجندي صامت يحرس الذاكرة

تؤكد هذه الأمثلة أن الثقافة لا تنقرض، بل قد تنكمش أو تُكتم، وتظل كامنةً حتى تتاح لها الفرصة لتظهر من جديد. فهي تشبه الجندي الصامت الذي لا يلفت الأنظار، لكنه يظل يحرس ذاكرة المجتمع ويمنع انقطاع الصلة بين الماضي والحاضر.

للنشر و الاعلان