عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

الإنسان المعاصر وعصر القلق الدائم

12/06/2026 03:00

قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر: «الإنسان كائن يتجه نحو موته»، مقصوداً أن إدراك الفناء جزء جوهري من التجربة البشرية. لكن اليوم لا يواجه الفرد فقط نهايته الشخصية، بل يعيش تحت وطأة سرديات مستمرة عن انتهاء العالم ذاته: تغير المناخ، الحروب النووية، أوبئة جديدة، أزمات مالية، ذكاء اصطناعي لا يمكن السيطرة عليه، استنزاف الموارد الطبيعية. أصبح المستقبل محاطاً بسلسلة مستمرة من التحذيرات والإنذارات، ما أدى إلى تحول من عصر الأمل إلى عصر الترقب.

مجتمع المخاطر ونظرية أولريش بيك

ربما يكون الأكثر لفتاً أن هذا القلق لا ينبع دوماً من التهديدات المباشرة، بل من المعرفة المستمرة بها. فالفلاح في أوروبا القرن الخامس عشر لم يكن يعلم أن وباءً ينتشر في قارة أخرى قبل أن يصل إلى قريته بأشهر أو سنوات. بالمقابل، يتلقى إنسان العصر الرقمي أخبار الكوارث في اللحظة التي تحدث فيها، بغض النظر عن بعدها الجغرافي. لقد ألغت التكنولوجيا المسافات لكنها جعلت المخاوف عالمية. لاحظ عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك هذه الظاهرة وصاغ مفهوم «مجتمع المخاطر»، معتبراً أن المجتمعات الحديثة تنتج المخاطر بقدر ما تنتج الثروة. التقدم العلمي الذي وفر الرفاهية والاتصال والسرعة أدى أيضاً إلى ظهور مخاطر تتجاوز الحدود ولا تقتصر على مكان أو زمان معين. وفقاً لبيك، الخطر في العصر الحديث لم يعد حدثاً محلياً بل أصبح حالة عالمية مشتركة.

الانتظار الوجودي وسبل المواجهة

نعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. كل صباح يبدأ بسيل من الأخبار العاجلة، التنبيهات، التحليلات، والتوقعات. أزمة طاقة هنا، حرب هناك، فيروس جديد يظهر في مكان ما، أو تحذير من كارثة بيئية وشيكة. مع مرور الوقت لا يعود الخوف استجابة لحادثة محددة، بل يتحول إلى مزاج دائم. وهنا تبرز المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على معرفة ما يحدث في العالم ازداد شعورنا بالعجز أمامه.

يزيد حدة هذه الظاهرة أن وسائل الإعلام الرقمية تقوم اقتصادياً على جذب الانتباه. والخوف، بطبيعته، من أكثر المشاعر قدرة على جذب الانتباه. لذلك تتحول الأخبار السلبية إلى مادة دائمة التداول، بينما تتراجع الأخبار المطمئنة إلى الهامش.

يمكن وصف حالة الإنسان المعاصر بال«الانتظار الوجودي». فهو يؤجل أحلامه أحياناً لأن الأزمة القادمة قد تكون أقرب مما يتوقع. يؤجل السفر، الاستثمار، الإنجاب، وحتى التفاؤل، ريثما تمر الكارثة المقبلة. لكنه يكتشف أن الكارثة التالية تلوح دائماً في الأفق. وهكذا يتحول المستقبل إلى سلسلة من المخاوف المؤجلة. كتب الفيلسوف الروماني إميل سيوران أن «القلق هو شكل من أشكال اليقظة المفرطة». هذه اليقظة المفرطة هي ما يميز زمننا. نحن لا نعيش الحاضر كاملاً، بل نعيش احتمالات المستقبل. لا نخاف مما يحدث فقط بل مما قد يحدث. هنا يصبح الخيال مصدراً للمعاناة بقدر ما هو مصدر للإبداع.

التحدي والفرص في مواجهة القلق

مع ذلك، يقدم تاريخ البشرية درساً مختلفاً. الأجيال التي سبقتنا عاشت بدورها أزمنة بدت وكأنها نهاية العالم: حروب عالمية، أوبئة كبرى، مجاعات، انهيارات اقتصادية. ومع ذلك استمرت الحياة وأعاد البشر بناء مدنهم ومؤسساتهم وأحلامهم.

المشكلة ليست في وجود المخاطر، فهي جزء من التاريخ البشري، بل في تحول الخوف منها إلى أسلوب حياة. لا يستطيع الإنسان أن يعيش باستمرار في حالة استنفار نفسي دون أن يدفع ثمناً باهظاً من صحته النفسية وقدرته على الفعل.

ربما يكون التحدي الحقيقي في عصرنا هو استعادة القدرة على التمييز بين المعرفة والخوف، وبين الوعي بالمخاطر والاستسلام لها. ليس المطلوب تجاهل الأزمات أو إنكارها، بل رفض تحويلها إلى قدر يومي يحكم نظرتنا إلى العالم. إدراك هشاشة الوجود لا يعني العيش في رعب دائم منه.

في النهاية، قد يكون الإنسان المعاصر أكثر شعوب التاريخ اطلاعاً على احتمالات النهاية، لكنه ليس بالضرورة أقرب إليها من أسلافه. العالم لم ينتهِ بالأمس، وربما لن ينتهي غداً. ما ينتهي حقاً كل يوم هو شيء آخر: قدرتنا على عيش الحاضر عندما نسمح للمستقبل بأن يبتلعنا بالكامل.

لهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: متى ستأتي الكارثة التالية؟ بل: كيف يمكن أن نعيش حياة كاملة في عالم لا يكف عن التلويح بنهاياته؟ الحكمة، كما كتب ألبير كامو، ليست في انتظار الخلاص، بل في أن «نتخيل سيزيف سعيداً» وهو يواصل دفع صخرته رغم عبثية الطريق. ربما يكون هذا هو الدرس الأعمق لعصر القلق: أن نستمر في الحياة، لا لأننا نضمن المستقبل، بل لأن الحياة نفسها تستحق أن تُعاش.

للنشر و الاعلان