تتجذر المشكلة في الطريقة التي تُصمم بها “توجهات الوسيلة”؛ ففي ظل ضرورة تعدد الآراء لتحقيق التوازن والإنصاف، يلمح المتابع إلى سيناريو منسق يهدف إلى خدمة أجندات مختارة في بعض القنوات الفضائية.
اختيار الضيوف وتحديد الأدوار
تظهر هذه الانتقائية بوضوح عندما تُستدعى شخصيات ذات طابع مختلف: أحدهم معروف بحدة فكره لتكون استفزازاً، وآخر يتميز بالهدوء ليتبدى كصوت رصين، وثالث يُستعمل لنقل رسائل مخفية دون تصريح صريح، أو ربما يُستدعى ضيف ضعيف الحجة لتُضيع الحقيقة بين سطوره. يخلق هذا التشكيل انطباعاً زائفاً عن عدالة البرنامج وقدرته على تنويع الضيوف.
الألقاب كوسيلة لتعزيز المصداقية
تُوزع ألقاب مثل “خبير استراتيجي” أو “مفكر” أو “محلل” بسخاء، ما يمنح الضيف وزنًا معرفيًا قبل أن ينطق بكلمة. في النقاشات الحامية يبرز موقف ممثل طرف ما مقابل محلل يُظهر ضعفًا في طرح وجهة النظر المعارضة، فتظهر الرؤية الأولى كقوة لا تقهر، خصوصًا عندما يُصوَّر “الخبير” كمرجعية حصرية للحقيقة.
فن صياغة الأسئلة وتوقيت المقاطعة
عند منح الضيف مساحة واسعة للحديث، يُمنح آخر وقتًا محدودًا ويُقيد نطاق إجابته. إذا انحرف الحديث عن ما يفضله البرنامج، يتدخل المذيع بمهارة في لحظة “المقاطعة”، ما يوحي بأن الفكرة قد انتهت أو لا تستحق المتابعة. ينتج عن ذلك تشكيل قناعات لدى جزء من الجمهور وفق رغبة المذيع، دون أن يشعر المشاهد العادي بحدوث أي تحيّز.
نظرية حراسة البوابة وتطبيقها العملي
ما يُلاحظ هو تطبيق عملي لمفهوم “حراسة البوابة” في علوم الاتصال، حيث تعمل القناة كمرشح يقرر ما يُسمح بمروره وما يُحجب، إلى جانب عملية “التأطير” التي تحصر الحوار داخل أطر ذهنية مسبقة. هذا النوع من الإعلام يمارس التضليل عبر أسلوب “التمرير والمنع”، فيسعى إلى ما يُسمى “صناعة الرضا”، أي توجيه قناعات المشاهد تدريجيًا حتى يظن أنه وصل إلى استنتاجاته بحرية، بينما هو في الواقع يسير على مسار محدد سلفًا.
يتجلى الانتقاء أيضًا في تسليط الأضواء على زاوية تخدم طرفًا معينًا، بينما تُطوى حوارات أعمق قد تكون أكثر شمولاً. يظن بعض المشاهدين أنهم استمعوا إلى جميع الأصوات، في حين أنهم سمعوا فقط ما سمحت به القناة.
تكمن خطورة هذه الانتقائية في القنوات الفضائية في مظهرها الهادئ والحياد الظاهري. لذا تبرز الحاجة إلى “المشاهدة اليقظة” كأداة مقاومة فكرية، تستند إلى التساؤل المستمر: من الذي غُيّب عمدًا؟ لماذا قُطعت فكرة ما؟ وما الذي يختبئ خلف هذا الترتيب الأنيق؟ فالحقيقة في زمن الإعلام الموجه غالبًا ما تكمن في المساحات التي تُسكت.






